انتقل إلى المحتوى
أحاديث مشروحة

أحكام أهل الذمة

٧ حديثًا

الإسلام يعلو ولا يعلى

عن عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى».
رواه الدارقطني والبيهقيالدرجةحسن
الشرح

هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن هذا الدين قد كتب الله له الرفعة والعلو، وأن أهله لا يزالون في علو ومكانة حسنة ما داموا متمسكين به، فهذا شرط ذلك، وهو خبر بمعنى الأمر، كما قال تعالى : (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، والحديث عام في جميع الأحوال، ويستدل به الفقهاء في فروع ومسائل كثيرة، ومنها باب الجزية، فإن أهل الذمة إذا دفعوا الجزية وكانوا بين أظهرنا فإنهم لا يُمكنون من إظهار نواقيسهم وصلبانهم ولا تعلو بنيانهم بنيان المسلمين، وإذا أسلم أحد الزوجين تبع الولد خير أبويه دينًا وهو من كان مسلمًا، ولا تزوج المسلمة للكافر، وهكذا كل حكم ترتب عليه علو شأن الإسلام فهو المقدم.

الفوائد
  1. أنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه، وهو الدين الذي أراد الله -تعالى- أن يظهره على الدين كله، فنحن بعملنا ننفذ إرادة الله -تعالى- الشرعية.
  2. أنه يجب على الذميين التزام أحكام الإسلام فيما يعتقدون تحريمه؛ كالزنا والسرقة، دون ما يعتقدون حله كالخمر.
  3. يجب عليهم التميز عن المسلمين في قبورهم، فلا يدفنون مع المسلمين.
  4. يجب عليهم التميز عن المسلمين بلباس خاص يُعرفون به.
  5. لا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم عند قدومهم.
  6. يُمنعون من إحداث الكنائس والبِيع والمعابد، وبناء ما انهدم منها، أو تجديد ما خرب من أجزائها.
  7. يُمنعون من إظهار خمرٍ وخنزيرٍ، ومن الجهر بنواقيسهم، والجهر بقراءة كتبهم.
  8. يمنعون من تعلية مبانيهم السكنية على مساكن المسلمين، سواء ملاصقة، أو مقاربة، وهذا كله من مقتضى علو الإسلام عليهم.
  9. كره العلماء أن يكون المسلم خادمًا عند الكافر بمقتضى هذا الحديث.
معاني الكلمات
الإِسلام يعلو
الإسلام يرتفع على الأديان كلها ولا يزال ينمو.
المراجع

السنن الكبرى، للبيهقي، المحقق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م. سنن الدارقطني، أبو الحسن الدارقطني، حققه وضبط نصه وعلق عليه: شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م. منحة العلام في شرح بلوغ المرام: تأليف عبد الله الفوزان، طبعة دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى 1428. توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام: تأليف عبد الله البسام، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، الطبعة: الخامِسَة، 1423 هـ - 2003 م. تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام: تأليف الشيخ صالح الفوزان، عناية عبد السلام السليمان، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام للشيخ ابن عثيمين- المكتبة الإسلامية القاهرة- تحقيق صبحي رمضان وأم إسراء بيومي، الطبعة الأولى 1427. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الثانية 1405 هـ - 1985م. سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، - دار الحديث- بدون طبعة وبدون تاريخ. التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ محمد بن إسماعيل الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير المحقق: د. محمَّد إسحاق محمَّد إبراهيم مكتبة دار السلام، الرياض -الطبعة: الأولى، 1432 هـ - 2011 م.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا ‌لَمْ ‌يَرَحْ ‌رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الوعيدَ الشديدَ على أنَّ مَن قَتَلَ مُعاهَدًا -وهو مَن دخل من الكفار إلى دار الإسلام بِعَهْدٍ وأمان- بأنه لن يَشمَّ رائحةَ الجنة، وإنَّ ريحَها يكون على بُعدِ مسيرة أربعين عامًا.

الفوائد
  1. تحريم قتل المُعاهَد والذِّمِّي والمُستأمَن من الكفار، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب.
  2. المعاهد: هو مَن أُخِذَ عليه العهد من الكفار وهو يقيم في بلاده لا يحارب المسلمين ولايحاربونه، والذِّمِّي: هو من استوطن دارَ المسلمين ودفع الجزية، والمستأمَن: هو مَن دخل دار المسلمين بعهد وأمان لوقت محدد.
  3. التحذير من خيانة العهود مع غير المسلمين.
المراجع

صحيح البخاري منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (8/ 232). توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام، للبسام (6/ 90). فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام، لابن عثيمين (5/ 520). سبل السلام، لمحمد الصنعاني (2/ 501).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

انصرفا، نفي لهم ‌بعهدهم، ونستعين الله عليهم

عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ».
رواه مسلمالدرجةصحيح
الشرح

قال حذيفة بن اليمان: لم يمنعني من شهود غزوة بدر غير قصة خروجي من المدينة إلى بدر أنا وأبي، واسمه حُسَيل، فأخذنا كفارُ قريش، وقالوا لنا: إنكم تريدون نصر محمد والقتال معه في بدر، فقلنا: لا نريده، ما نريد إلا الذهاب إلى المدينة، فأخذوا منا عهد الله المؤكد باليمين أن نرجع إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بما جرى بيننا وبين كفار قريش، فقال: اذهبا إلى المدينة ولا تقاتلا معنا، ثم علل ذلك بقوله: نؤدي ما التزمتماه لهم بعدم مقاتلكتما معنا، ونطلب من الله عز وجل أن يعيننا على قتالهم، فإنه وعدنا بالنصر.

الفوائد
  1. جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في الحرب، فهو أولى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب.
  2. مشروعية الوفاء بالعهد، وهذا ليس للإيجاب، فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام، ونائبه، ولكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزمهم ذلك؛ لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلًا.
المراجع

صحيح مسلم (3/ 1414) (1787)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (31/ 260).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

قد أجرنا من ‌أجرت يا أم ‌هانئ

عَنْ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ»، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ: فُلاَنَ ابْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

قالت أم ‌هانئ بنت أبي طالب أخت علي رضي الله عنهما: ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، في السنة الثامنة، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته رضي الله عنها تغطيه، فسلمت عليه فقال: (من هذه؟) فقلت: أنا أم ‌هانئ بنت أبي طالب، فقال: (مرحبا بأم ‌هانئ) أي لقيتِ رحبًا وسعة، فلما انتهى من غسله قام فصلى ثماني ركعات لابسًا ثوبًا واحدًا، فلما سلم من صلاته قلت: يا رسول الله ادعى ابن أمي علي بن أبي طالب -وهي شقيقته لكن خصت الأم لكونها آكد في القرابة- أنه عازم على قتل رجل قد أَمَّنتُه، وهو فلان ابن هبيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أمنا من أمنتِ يا أم ‌هانئ، قالت أم ‌هانئ: وهذه الواقعة من الغسل، والصلاة، والكلام في قضية قتل علي من أجارته، جرى بين أم هانئ وبين النبي صلى الله عليه وسلم وقت الضحى.

الفوائد
  1. جواز أمان المرأة، فلا يجوز لأحد نقضه.
  2. لا بأس أن يكني الإنسان نفسه على سبيل التعريف، إذا اشتهر بالكنية.
  3. استحباب قول الإنسان لزائره، والوارد عليه: مرحبا ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة.
  4. جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان مستور العورة عنها، وجواز سترها إياه بثوب ونحوه.
  5. لا بأس بالكلام في حال الاغتسال والوضوء، ولا بالسلام على المغتسل والمتوضئ، بخلاف البائل والمتغوط.
  6. جواز الصلاة في الثوب الواحد الساتر، والالتحاف به، مخالفًا بين طرفيه.
  7. جواز تسليم المرأة على الرجل الأجنبي، وكذا العكس، إذا أمنت الفتنة.
معاني الكلمات
أجرنا
أمَّنَّا.
المراجع

صحيح البخاري (1/ 80 - 81) (357)، صحيح مسلم (1/ 498) (336)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (1/ 389)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (15/ 349).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

الإيمان ‌قيَّد ‌الفَتْكَ، لا يفتك مؤمن

عَنْ أَبِي هُرَيرةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الإِيمَانُ ‌قَيَّدَ ‌الفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ».
رواه أبو داودالدرجةحسن لغيره
الشرح

قال النبي صلى الله عليه وسلم: الإيمان يمنع صاحبه من الفتك، كما يمنع القيد من التصرف، والفتك هو قتل من له أمان على غرة وغفلة، لا يفتك مؤمن بمسلم ولا كافر، فإن قتل من له أمان حرام.

الفوائد
  1. تحريم القتل على غفلة من المقتول، سواء كان مسلمًا أو كافرًا له أمان، وليس في دار الحرب.
معاني الكلمات
قيَّد
منع.
الفتك
الاغتيال.
المراجع

سنن أبي داود (4/ 400) (2769)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (12/ 82).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

نُقِرُّكم ما أَقَرَّكم الله

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلاَهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهْمَتُنَا وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلاَءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ» فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ، قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَأَجْلاَهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

لما أذى أهل خيبر عبد الله بن عمر وسحبوا أطرافه، خطب عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نترككم ما قدر الله لنا أن نترككم فإذا شئنا أخرجناكم، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى خيبر ليأخذ ماله، فاعتدوا عليه في الليل وأذوه في مفاصل يده أو رجله، وكأنها قد زالت عن مواضعها بالسحب، وليس لنا عدو غير اليهود في خيبر، فهم عدوُّنا وهم الذين نتهمهم بذلك، وقد رأيتُ أن أخرجهم من أرضهم، فلما عزم عمر على إخراجهم، جاءه أحد بني أبي الحُقَيق، فقال: يا أمير المؤمنين، هل تخرجنا وقد أقرنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعاملنا على الأموال وشرط لنا إقرارنا في أوطاننا، فرد عليه عمر: هل تظنني نسيت قول النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك إذا أخرجت من خيبر تجري بك ناقتك ليلةً بعدَ ليلةً، فقال: كانت هذ مزحة من أبي القاسم، فرد عليه عمر: كذبت يا عدو الله، فأخرجهم عمر من أوطانهم، وأعطاهم قيمة ثمرهم مالًا وإبلًا وعروضًا من محامل الدواب وحِبَال وغير ذلك.

الفوائد
  1. عمر رضي الله تعالى عنه أجلى يهود خيبر عنها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبقين دينان بأرض العرب).
  2. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقرهم على سلامة في أنفسهم، ولا حق لهم في الأرض، واستأجرهم على المساقاة ولهم شطر الثمر الناتج، فلذلك أعطاهم عمر رضي الله تعالى عنه، قيمة شطر الثمر لتلك السنة من إبل وأقتاب، وحبال، ولم يكن لهم في أصل الأرض شيء.
  3. الدليل على أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات، كما طالبهم عمر بفدعهم ابنه.
  4. أن المزارع إذا كرهه رب الأرض لجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ في العمل، ويعطيه فيما عمله ونصيبه، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه.
  5. جواز العقد مشاهرة ومسانهة.
  6. أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها من غير عدول، حتى يقوم دليل المجاز والتعريض.
معاني الكلمات
فَدَع
الفدع زيغ بين القدم وبين عظم الساق.
إجلاءهم
إخراجهم وإبعادهم عنها.
قلوصك
الناقة الصابرة على السير.
أقتاب
جمع قتب، وهو ما يوضع على الدابة للركوب.
المراجع

صحيح البخاري (3/ 192) (2730)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 305)، الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1422)، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص340)، فتح الباري لابن حجر (5/ 328).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

انطلق سعدُ بنُ معاذٍ معتمرًا فنزل على أميةَ بنِ خلف أبي صفوان

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا، قَالَ: فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتَ فَطُفْتَ. فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَتَلاَحَيَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أُمَيَّةُ لسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الحَكَمِ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ. قَالَ: فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ: لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ، وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ، فَقَالَ: دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ. قَالَ: إِيَّايَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ. فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي اليَثْرِبِيُّ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ اليَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: فَأَرَادَ أَلَّا يَخْرُجَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الوَادِي فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ. فَسَارَ مَعَهُمْ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ.
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

ذهب سعد بن معاذ إلى مكة معتمرًا بعد الهجرة وقبل وقعة بدرٍ، فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان وكان من كبار المشركين، وكان أمية إذا سافر إلى الشام فمر بالمدينة المنورة نزل على سعد بن معاذ، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس فطف بالبيت، ففعل، وبينما كان سعد يطوف بالبيت جاء أبو جهل، فقال: من الذي يطوف بالكعبة؟ فقال: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة وأنت آمن، وقد نصرتم محمدًا وأصحابه؟ قال سعد: نعم نصرناهم، فتخاصما وتنازعا، فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي جهل، فإنه سيد أهل مكة، ثم قال سعد لأبي جهل: والله إذا منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن طريق تجارتك إلى الشام، لأنها لابد أن تَمُرَّ بالمدينة أو ما يحاذيها، فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك على أبي جهل، وجعل يمسك سعدًا ليكُفَّه، فغضب سعد فقال: اترك محاماتك لأبي جهل، فإني سمعت محمدًا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال أمية خائفًا: يقتلني؟ قال: نعم، قال أمية: والله ما يكذب محمد إذا حدَّث؛ لأنه كان موصوفًا عندهم بالصدق، مع كونه أمرًا مستقبليًّا، فرجع أمية إلى امرأته فقال لها: هل تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ يقصد صديقي، باعتبار ما كان بينهما من المؤاخاة في الجاهلية، وليس بينهم أخوة في الواقع؛ لأن الإسلام يمنع التآخي مع الكفار، ولكن لا يمنع التعامل معهم، كالأكل والعمل والضيافة، واليثربي نسبة إلى يثرب، وهو اسم المدينة النبوية قبل الإسلام، وقصد بذلك سعدًا، قالت: وماذا قال لك؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه سيقتلني، قالت: والله ما يكذب محمد، بل هو الصادق المصدوق، فلما جاءهم المستغيث الذي دعا قريشًا لقتال المسلمين وأراد أهل مكة الخروج إلى بدر، قالت له امرأته: ألم تذكر ما قال لك سعد؟ فتذكر أمية وأراد ألا يخرج معهم خوفًا مما قاله سعد، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل مكة، فسر معنا يومًا أو يومين ثم ارجع إلى مكة، فسار معهم يومين وأَمِنَ واغترَّ واستمرَّ في المسير، فقتله الله ببدر.

الفوائد
  1. أن من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم من ألدِّ أعدائه يعلمون أنه لا يكذب، كما قال أمية وزوجته: (والله ما يكذب محمد)، وهذا كافٍ في تصحيح نبوته والدين الذي دعا إليه، ولو لم يرَوا معجزةً.
  2. عزة الصحابة رضي الله عنهم، وجرأتهم في الحق.
  3. جواز النزول في ضيافة الكافر، وجواز استضافته.
معاني الكلمات
آويتم
ضممتموهم إليكم.
فتلاحيا بينهما
تخاصما وتنازعا.
متجرك بالشام
طريق تجارتك.
يزعم
يقول، والزعم يأتي بمعنى القول مطلقًا كما هنا، ويأتي بمعنى الدعوى الكاذبة.
الصريخ
المستغيث، الذي كان يدعو قريشًا للخروج لقتال المسلمين.
المراجع

صحيح البخاري (4/ 205) (3632)، النهاية في غريب الحديث والأثر (53) (832) (513)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (6/ 71)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 157).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كل حديث ودرجة وشرح وفائدة هنا معروض كما ينشره HadeethEnc.com تمامًا، وفق شروطه لإعادة النشر. والدرجة لا تذكر من حكم بها. والترجمات والشروح من عمل مؤلفيها، وبعضها يذكر أحكامًا؛ ولم يفحصها مراجعو سبيل. والحديث العربي هو النص. المصدر: HadeethEnc.com