انتقل إلى المحتوى
الحزب ١ · الشفا بتعريف حقوق المصطفى
الحزب ١

الفصل السابع حالته صلى الله عليه وسلم في الضروريات

النص منOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 23645أُخذ في 2026-10-21

وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه، مما فصلناه فعلى ثلاثة أضرب:

- ضرب الفضل في قلته.

- وضرب الفضل في كثرته.

- وضرب تختلف الأحوال فيه ...

أ- فأما ما التمدح والكمال بقلته، اتفاقا، وعلى كل حال، عادة وشريعة، كالغذاء، والنوم ...

ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص. والشره وغلبة الشهوة مسبب لمضار الدنيا والآخرة، جالب لأدواء الجسد،١:١٨٤

وخثارة «1» النفس، وامتلاء الدماغ. وقلته، دليل على القناعة وملك النفس.

وقمع الشهوة مسبب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدة الذهن.

كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة «2» والضعف، وعدم الذكاء والفطنة مسبب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته وموته.

والشاهد على هذا: ما يعلم ضرورة، ويوجد مشاهدة، وينقل متواترا، من كلام الأمم المتقدمة، والحكماء السالفين، وأشعار العرب وأخبارها وصحيح الحديث، وآثار من سلف وخلف مما لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. اختصارا، واقتصارا على اشتهار العلم به.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل ... هذا ما لا يدفع من سيرته، وهو الذي أمر به، وحض عليه، لا سيما بارتباط أحدهما بالآخر.١:١٨٥

عن المقدام بن «1» معدي كرب رضي الله عنه: أن»

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه» فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه» .

ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب.

قال سفيان الثوري «3» : بقلة الطعام يملك سهر الليل.

وقال بعض السلف: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتخسروا كثيرا.

وقد روي «4» عنه صلى الله عليه وسلم أنه: «كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف» أي كثرة الأيدي.١:١٨٦

وعن عائشة «1» رضي الله عنها: لم «2» يمتليء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب ...

- ولا يعترض على هذا بحديث بريرة «3» وقوله «4» :

«ألم أر البرمة «5» فيها لحم» .

- إذ لعل سبب سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقادهم أنه لا يحل له، فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدموه إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره بقوله:

«هو لها صدقة، ولنا هدية» .

وفي حكمة لقمان «6» عليه السلام: يا بني إذا امتلأت المعدة١:١٨٧

نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.

وقال سحنون «1» : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.

وفي صحيح الحديث «2» قوله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا آكل متكئا»

«والاتكاء» : هو التمكن للأكل، والتقعدد «3» في الجلوس له كالمتربع، وشبهه من تمكن الجلسات، التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته ... والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه.

- والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا «4» ويقول «5» : «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .

وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين.١:١٨٨

- وكذلك نومه صلى الله عليه وسلم كان قليلا. شهدت بذلك الآثار الصحيحة.

ومع ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم:

«إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» «1» .

- وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم، لأنه على الجانب الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حينئذ لميلها إلى الجانب الأيسر، فيستدعي ذلك الاستثقال فيه والطول. وإذا نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة، ولم يغمره الاستغراق.١:١٨٩

هذا هو النص العربي لكتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض كما هو في مدوّنة OpenITI، من نسخة «الشاملة» لطبعة دار الفيحاء (عمّان، 1407هـ) التي حُذفت منها أسانيد الأخبار. لم يقارنه أحد بالكتاب المطبوع ولا بمخطوطة، ولم يراجعه أحد من العلماء. أرقام حواشي الطبعة باقية في النص دون حواشيها التي أزالتها المدوّنة، وتُركت ملاحظات محققي الطبعة وفهرسها. وتُعلَّم نهاية كل صفحة من الطبعة المطبوعة. لا توجد ترجمة بعد.