أما الشطر الأول
Maandishi kutokaOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 9472ilichukuliwa 2026-10-21
فيشتمل على بيان حقيقة الرجاء
وبيان فضيلة الرجاء وبيان دواء الرجاء والطرق الذي يجتلب به الرجاء
بيان حقيقة الرجاء
اعلم أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين وإنما يسمى الوصف مقاما إذا ثبت وأقام وإنما يسمى حالا إذا كان عارضا سريع الزوال وكما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل وإلى ما هو بينهما كصفرة المريض فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام فالذي هو غير ثابت يسمى حالا لأنه يحول على القرب وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب وغرضنا الآن حقيقة الرجاء فالرجاء أيضا يتم من حال وعلم وعمل فالعلم سبب يثمر الحال والحال يقتضي العمل وكان الرجاء اسما من جملة الثلاثة وبيانه أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى وإلى منتظر في الاستقبال فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا وإن كان من خطر بقلبك موجودا في الحال سمي وجدا وذوقا وإدراكا وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمى انتظار وتوقعا فإن كان المنظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمى ذلك الارتياح رجاء فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ولكن ذلك4:142
المحبوب المتوقع لا بد وأن يكون له سبب فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه الرجاء عليه صادق وإن كان ذلك انظارا مع انخرام أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتقاء فاسم التمني أصدق على انتظاره لأنه انتظار من غير سبب وعلى كل حال فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه أما ما يقطع به فلا إذا لا يقال أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع وأخاف غروبها وقت الغروب لأن ذلك مقطوع به نعم يقال أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان كالبدر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها والقلب المستهتر في الدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر السبخة التي لا ينمو إيمان مع خبث القلب وسوء أخلافه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سوق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الشوك عن الأرض والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظرا من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاء وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها الماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء وإن بث البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها وأخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضا سمي انتظاره تمنيا لا رجاء فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظاره محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب عن شوك الأخلاق الردئية وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة وكان انتظاره رجاء حقيقا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة القيام بمقتضى أسباب الإيمان في إنمام أسباب المغفرة إلى الموت وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات وترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور قال صلى الله عليه وسلم الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة وقال تعالى فخلف من بعدهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا وقال تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وذم الله تعالى صاحب البستان إذا دخل جنته وقال ما أظن تبيده هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربدى لأجدن خيرا منها منقلبا فإذا العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة وأما قبل التوبة إذا كان كارها للمعصية تسوءه السيئة وتسره الحسنة وهو يذم نفسه ويلومها ويشتهي التوبة ويشتاق إليها فحقيق بأن يرجو منا لله التوفيق للتوبة لأن كراهيته للمعصية وحؤصه على التوبة يجري مجرى السبب الذي قد يفضي إلى التوبة وإما الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذلك قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله معناه أولئك يستحون أن يرجوا رحمة الله وما أراد به تخصيص وجود4:143
الرجاء لأن غيرهم أيضا قد يرجو ولكن خصص بهم استحقاق الرجاء فأما من ينهمك فيما يكرهه الله تعالى ولا يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهده بسقي ولا تنقية
قال يحيى بن معاذ من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر النار وطلب دار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على الله عز وجل مع الإفراط
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته فقد علمت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان فإن من حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهدها وتنحية كل حشيش ينبت فيها فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس واليأس يمنع من التعهد فمن عرف أن الأرض سبخة وأن الماء معوز وأن البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقد الأرض والتعب في تعهدها والرجاء محمود لأنه باعث واليأس مذموم وهو ضده لأنه صارف عن العمل والخوف ليس بضد للرجاء بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه بل هو باعث آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة فإذن حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له فإن هذه الأحوال لابد وأن تظهر على كل من يرجو ملكا من الملوك أو شخصا من الأشخاص فكيف لا يظهر ذلك في حق الله تعالى فإن كان لا يظهر فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض الغرور والتمني فهذا هو البيان لحال الرجاء ولما أثمره من العلم ولما استثمر منه من العمل ويدل على إثماره لهذه الأعمال حديث زيد الخيل إذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأسألك عن علامة الله فيمن لا يريد وعلامته فيمن لا يريد فقال كيف أصبحت قال أصحبت أحب الخير وأهله وإذا قدرت على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه وإذا فاتني منه شيىء حزنت عليه وحننت إليه
فقال هذه علامة الله فيمن يريد ولو أرادك للأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في أي أوديتها هلكت فقد ذكر صلى الله عليه وسلم علامة من أريد به الخير فمن ارتجى أن يكون مرادا بالخير من غير هذه العلامات فهو مغرور // حديث قال زيد الخيل جئت لأسألك عن علامة الله فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف وفيه أنه قال أنت زيد الخير وكذا قال ابن أبي حاتم سماه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير يروى عنه حديث وذكره في حديث يروى فقال زيد الخير فقال يا رسول الله الحديث سمعت أبي يقول ذلك
بيان فضيلة الرجاء والترغيب فيه
اعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لأن أقرب العباد إلى الله تعالى أحبهم له والحب يغلب الرجاء واعتبر ذلك بملكين يخدم أحداهما خوفا من عقابه والآخر رجاء لثوابه ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغائب لا سيما في وقت الموت قال تعالى لا تقنطوا من رحمة الله فحرم أصل اليأس وفي أخبار يعقوب عليه السلام إن الله تعالى أوحى إليه
أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف لأنك قلت أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لم خفت الذئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة أخوته ولم تنظر إلى حفظي له
وقال صلى الله عليه وسلم4:144
لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله تعالى (1) وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء (2)
ودخل صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في النزع فقال كيف تجدك فقال أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي
فقال صلى الله عليه وسلم ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا وأمنه مما يخاف (3) وقال علي رضي الله عنه لرجل أخرجه الخوف إلى القنوط لكثرة ذنوبه يا هذا يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك
وقال سفيان من أذنب ذنبا فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجاء غفرانه غفر الله له ذنبه قال لأن الله عز وجل عير قوما فقال وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم وقال تعالى وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره فإن لقنه الله حجته قال يا رب رجوتك وخفت الناس قال فيقول الله تعالى قد غفرته لك (4) وفي الخبر الصحيح أن رجلا كان يداين الناس فيسامح الغني ويتجاوز عن المعسر فلقي الله ولم يعمل خيرا قط فقال الله عز وجل من أحق بذلك منا (5) فعفا عنه لحسن ظنه ورجائه أن يعفو عنه مع إفلاسه عن الطاعات وقال تعالى إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ولما قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تلدمون صدروكم وتجأرون إلى ربكم فهبط جبريل عليه السلام فقال إن ربك يقول لك لم تقنط عبادي فخرج عليهم ورجاهم وشوقهم (6)
وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي فقال يا رب كيف أحببك إلى خلقك اذكرني بالحسن الجميل واذكر آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل (7) ورئى أبان بن أبي عياش في النوم وكان يكثر ذكر أبواب الرجاء فقال أوقفني الله تعالى بين يديه فقال ما الذي حملك على ذلك فقلت أردت أن أحببك إلى خلقك فقال قد غفرت لك
ورئى يحيى بن أكثم بعد موته في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني الله بين يديه وقال يا شيخ السوء فعلت وفعلت وقال فأخذني من الرعب ما يعلم الله ثم قلت يا رب ما هكذا حدثت عنك فقال وما حدثت عني فقلت حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس عن نبيك صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام أنك قلت أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وكنت أظن بك أن لا تعذبني فقال الله عز وجل صدق جبريل وصدق نبيي وصدق أنس وصدق الزهري وصدق معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت قال فألبست ومشى بين4:145
يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة
وفي الخبر أن رجلا من بني إسرائيل كان يقنط الناس ويشدد عليهم قال فيقل له الله تعالى يوم القيامة اليوم أويسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا يدخل النار فيمكث فيها ألف سنة ينادي يا حنان يا منان فيقول الله تعالى لجبريل اذهب فائتني بعبدي قال فيجيء به فيوقفه على ربه فيقول الله تعالى كيف وجدت مكانك فيقول شر مكان قال فيقول رذوه إلى مكانه قال فيمشي ويلتفت إلى ورائه فيقول الله عز وجل إلى أي شيء تلتفت فيقول لقد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها فيقول الله تعالى اذهبوا به إلى الجنة (2) فدل هذا على أن رجاءه كان سبب نجاته نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه
بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب
اعلم أن هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين إما رجل غلب عليه اليأس فترك العبادة وإما رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة حتى أضر بنفسه وأهله وهذان رجلان مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط فيحتاجان إلى علاج يردهما إلى الاعتدال فأما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة واقتحام المعاصي فأدوية الرجاء تنقلب سموما مهلكة في حقه وتنزل منزلة العسل الذي هو شفاء لمن غلب عليه البرد وهم سم مهلك لمن غلب عليه الحرارة بل المغرور لا يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف والأسباب المهيجة له فلهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفا ناظرا إلى مواقع العلل معالجا لكل علة بما يضادها لا بما يزيد فيها فإن المطلوب هو العدل والقصد في الصفات والأخلاق كلها وخير الأمور أوساطها فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يرده إلى الوسط لا بما يزيد في ميله عن الوسط وهذا الزمان زمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء بل المبالغة في التخويف أيضا تكاد أن لا تردهم إلى جادة الحق وسنن الصواب فأما ذكر أسباب الرجاء فيهلكهم ويرديهم بالكلية ولكنها لما كانت أخف على القلوب وألذ عند النفوس ولم يكن غرض الوعاظ إلا استمالة القلوب واستنطاق الخلق بالثناء كيفما كانوا مالوا إلى الرجاء حتى ازداد الفساد فسادا وازداد المنهمكون في طغيانهم تماديا
قال علي كرم الله وجهه إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم من مكر الله
ونحن نذكر اساب الرجاء لتستعمل في حق الآيس أو فيمن غلب عليه الخوف اقتداء بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهما مشتملان على الخوف والرجاء جميعا لأنهما جامعان لأسباب الشفاء في حق أصناف المرضى ليستعمله العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بحسب الحاجة استعمال الطبيب الحاذق لا استعمال الأخرق الذي يظن أن كل شيى من الأدوية صالح لكل مريض كيفما كان
وحال الرجاء يغلب بشيئين أحدهما الاعتبار والآخر استقراء الآيات والأخبار والآثار
أما الاعتبار فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه في أصناف النعم من كتاب الشكر حتى إذا علم لطائف نعم الله تعالى لعباده في الدنيا وعجائب حكمه التي راعاها في فطرة الإنسان حتى أعد له في الدنيا كل ما هو ضروري له في دوام4:146
الوجود كآلات الغذاء وما هو محتاج إليه كالأصابع والأظفار وما هو زينة له كاستقواس الحاجبين واختلاف ألوان العينين وحمرة الشفتين وغير ذلك مما كان لا ينثلم بفقده غرض مقصود وإنما كان يفوت به مزية جمال فالعناية الإلهية إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق حتى لم يرض لعباده أن تفوتهم المزايد والمزايا في الزينة والحاجة كيف يرضى بسياقهم إلى الهلاك المؤبد بل إذا نظر الإنسان نظرا شافيا علم أن أكثر الخلق قد هيء له أسباب السعادة في الدنيا حتى إنه يكره الانتقال من الدنيا بالموت وإن أخبر بأنه لا يعذب بعد الموت أبدا مثلا أولا يحشر أصلا فليست كراهتهم للعدم إلا لأن أسباب النعم أغلب لا محالة وإنما الذي يتمنى الموت نادر ثم لا يتمناه إلا في حال نادرة وواقعة هاجمة غريبة فإذا كان حال أكثر الخلق في الدنيا الغالب عليه الخير والسلامة فسنة الله لا تجد لها تبديلا فالغالب أن أمر الآخرة هكذا يكون لأن مدبر الدنيا والآخرة واحد وهو غفور رحيم لطيف بعباده متعطف عليهم فهذا إذا تؤمل حق التأمل قوي به أسباب الرجاء ومن الاعتبار أيضا النظر في حكمة الشريعة وسنتها في مصالح الدنيا ووجه الرحمة للعباد بها حتى كان بعض العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرجاء
فقيل له وما فيها من الرجاء فقال الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان منها قليل والدين قليل عن رزقه فانظر كيف أنزل الله تعالى فيه أطول آية ليهدي عبده إلى طريق الاحتياط في حفظ دينه فكيف لا يحفظ دينه الذي لا عوض له منه
الفن الثاني استقراء الآيات والأخبار فما ورد في الرجاء خارج عن الحصر أما الآيات فقد قال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم (1) وقال تعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض وأخبر تعالى أن النار أعدها لأعدائه وإنما خوف بها أولياءه فقال لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده وقال تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين وقال تعالى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقال عز وجل وإن ربك لذوا مغفرة للناس على ظلمهم ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له أما ترضى وقد أنزلت عليك هذه الآية وإن ربك لذو مغفرة للناس ظلمهم (2)
وفي تفسير قوله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال لا يرضى محمد وواحد من أمته في النار وكان أبو جعفر محمد بن علي يقول أنتم أهل العراق تقولون أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الآية ونحن أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وأما الأخبار فقد روى أبو موسى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة عجل الله عقابها في الدنيا الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب فقيل هذا فداؤك من النار (3)4:147
وفي لفظ آخر يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول هذا فدائي من النار فيلقى فيها (1) وقال صلى الله عليه وسلم الحمى من فيح جهنم وهي حظ المؤمن من النار (2) وروي في تفسير قوله تعالى {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم إني أجعل حساب أمتك إليك
قال لا يارب أنت أرحم بهم مني فقال إذن لا نخزيك فيهم (3)
وروي عن أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه في ذنوب أمته فقال يا رب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساويهم غيري فأوحى الله تعالى إليه هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك ولا أجعل حسابهم إلى غيري لئلا تنظر إلى مساويهم أنت ولا غيرك (4)
وقال صلى الله عليه وسلم حياتي خير لكم وموتي خيرك لكم أما حياتي فأسن لكم السنن وأشرع لكم الشرائع وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي فما رأيت منها حسنا حمدت الله عليه وما رأيت منها سيئا استغفرت الله تعالى لكم (5) وقال صلى الله عليه وسلم يوما يا كريم العفو فقال جبريل عليه السلام أتدري ما تفسير يا كريم العفو هو إن عفا عن السيئات برحمته بدلها حسنات بكرمه (6)
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول اللهم إني أسألك تمام النعمة فقال هل تدري ما تمام النعمة قال لا قال دخول الجنة (7)
قال العلماء قد أتم الله علينا نعمته برضاه الإسلام لنا إذ قال تعالى {وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي الخبر إذا أذنب العبد ذنبا فاستغفر الله يقول الله عز وجل لملائكته انظروا إلى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب أشهدكم أني قد غفرت له (8) وفي الخبر لو أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني (9) وفي الخبر لو لقيني عبد بقراب الأرض ذنوبا لقيته بقراب الأرض مغفرة (10) وفي الحديث أن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة (11) وفي لفظ آخر فإذا كتبها عليه وعمل حسنة قال صاحب اليمين لصاحب4:148
الشمال وهو أمير عليه ألق هذه السيئة حتى ألقى من حسناته واحدة تضعيف العشر وأرفع له تسع حسنات فتلقي عنه السيئة وروى أنس في حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه فقال أعرابي وإن تاب عنه قال محي عنه قال فإن عاد قال النبي صلى الله عليه وسلم يكتب عليه قال الأعرابي فإن تاب قال محي من صحيفته قال إلى متى قال إلى أن يستغفر ويتوب إلى الله عز وجل إن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين قبل أن يعملها فإن عملها كتبت عشر حسنات ثم يضاعفها الله سبحانه وتعالى إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإذا عملها كتبت خطيئة واحدة ووراءها حسن عفو الله عز وجل (1)
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولا أصلي إلا الخمس لا أزيد عليها وليس لله في مالي صدقة ولا حج ولا تطوع أين أنا إذا مت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إذا حفظت قلبك من اثنتين الغل والحسد ولسانك من اثنتين الغيبة والكذب وعينيك من اثنتين النظر إلى ما حرم الله وأن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين (2) وفي الحديث الطويل لأنس أن الأعرابي قال يا رسول الله من يلي حساب الخلق فقال الله تبارك وتعالى قال هو بنفسه قال نعم فتبسم الأعرابي فقال صلى الله عليه وسلم مم ضحكت يا أعرابي فقال إن الكريم إذا قدر عفا وإذا حاسب سامح فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق الأعربي ألا لا كريم أكرم من الله تعالى هو أكرم الأكرمين {ثم قال} فقه الأعرابي (3) وفيه أيضا إن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى قال الأعرابي ومن أولياء الله تعالى قال المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى أما سمعت قول الله عز وجل {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وفي بعض الأخبار المؤمن أفضل من الكعبة (4)4:149
Tafsiri
Tafsiri hii ni ya mtafsiri wake, si ya Sabīl. Inaonyeshwa kama chanzo chake kinavyoitoa, kama matini ya pekee chini ya kila kitabu kwa vichwa vya mtafsiri mwenyewe: haisimami mstari kwa mstari kando ya Kiarabu, na inabeba kasoro za nakala iliyosomwa. Sabīl haijaihakiki dhidi ya Kiarabu, na hakuna mwanazuoni aliyeipitia.
Hii ni matini ya Kiarabu ya Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn ya al-Ghazālī kama ilivyo katika mkusanyo wa OpenITI, kutoka nakala ya Shamela ya chapa ya Dār al-Maʿrifa. Hakuna aliyeilinganisha na kitabu kilichochapishwa wala hati ya mkono, na hakuna mwanazuoni aliyeipitia. Mkusanyo huo unasema kuwa katika kurasa kadhaa sehemu ya matini imekosekana na kwamba tanbihi za mhariri zimechanganyika na matini; vyote vinaonyeshwa kama vilivyo. Kurasa za chapa zimewekewa alama pale zinapoishia. Tafsiri ni za watafsiri wake; kila moja imesomwa kutoka nakala iliyotajwa pamoja nayo na inaonyeshwa kama matini ya pekee chini ya kila kitabu, kwa vichwa vyake yenyewe: hakuna iliyowekwa mstari kwa mstari kando ya Kiarabu, Kiingereza cha Karim kinafupisha kitabu kama mtafsiri wake asemavyo, na kila moja inabeba kasoro za nakala iliyosomwa. Sabīl haijatafsiri chochote, haijaihakiki tafsiri yoyote dhidi ya Kiarabu, na hakuna mwanazuoni aliyeipitia yoyote.