U bood nuxurka
Tafsīr al-Qurṭubī · Al-Baqara
Suuradda 2

Al-Baqara

الجامع لأحكام القرآن

Kani waa qoraalka Carabiga ee tafsiir qadiimi ah sida uu ugu jiro Quranic Universal Library (QUL, ee Tarteel), oo laga qaaday nuqulka furan ee xogta QUL ee spa5k/tafsir_api haysto. QUL ma sheegto daabacaad kee ah ee ay raacayso, mana caddayso shatiga qoraallada, sidaas darteed xaqa muujintooda lama xaqiijin. Qofna ma barbardhigin buug la daabacay ama qoraal gacmeed, aqoonyahanna ma dib u eegin. Qayb kasta waxay ag taagan tahay aayadaha ay ka hadlayso, kuwaas oo ah qoraalka Quraanka ee Tanzil, sida uu ugu yaal halkaas. Meesha qoraalku sido qoraal-hoosaad ka yimid tifaftire, oo laba qaanso ku dhex jira, sida uu yahay ayaa loo muujiyaa. Weli tarjumaad ma jirto.

Qoraalka waxaa laga helayQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITla qaaday 2026-10-21

Aayadda 128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 128

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي صيرنا، و "مُسْلِمَيْنِ" مَفْعُولٌ ثَانٍ، سَأَلَا التَّثْبِيتَ وَالدَّوَامَ. وَالْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِيمَانُ وَالْأَعْمَالُ جَمِيعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [[راجع ج ٤ ص ٤٣.]] "فَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شي وَاحِدٌ، وَعَضَّدُوا هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:" فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [[راجع ج ١٧ ص ٤٨.]] ". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ "مُسْلِمِينَ" عَلَى الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا فَاجْعَلْ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إِلَّا لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ دَعَا مَعَ دُعَائِهِ لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ ولهذه الامة. و "من" فِي قَوْلِهِ: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا" لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّ مِنْهُمْ ظَالِمِينَ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا" العرب خاصة. قال السهيلي [[اضطربت الأصول في ذكر كلام السهيلي، وقد ذكر الطبري في تاريخه خبر أولاد إسماعيل (ص ٣٥١ قسم أول)، وابن الأثير (ج ١ ص ٨٨) وابن هشام في سيرته ص ٤ طبع أوربا، فيراجع.]]: وذريتهما الْعَرَبُ، لِأَنَّهُمْ بَنُو نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَوْ بَنُو تَيْمَنَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَيُقَالُ: قِيدَرَ بْنُ نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. أَمَّا الْعَدْنَانِيَّةُ فَمِنْ نَبِتِ، وَأَمَّا الْقَحْطَانِيَّةُ فَمِنْ قَيدَرَ بْنِ نَبِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَوْ تَيْمَنَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ فِي الْعَرَبِ وَفِيمَنْ آمَنَ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ هُنَا، وَتَكُونُ وَاحِدًا إِذَا كَانَ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [[راجع ج ١٠ ص ١٩٧.]] لِلَّهِ"، وَقَالَ ﷺ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: (يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ فِي دِينِهِ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [[راجع ج ١٦ ص ٧٤.]] "أَيْ عَلَى دِينٍ وَمِلَّةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [[راجع ج ١١ ص ٣٣٨.]] ". وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْحِينَ وَالزَّمَانَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [[راجع ج ٩ ص ٢٠١.]] " أَيْ بَعْدَ حِينٍ وَزَمَانٍ. وَيُقَالُ: هَذِهِ أُمَّةُ زَيْدٍ، أَيْ أُمُّ زَيْدٍ. وَالْأُمَّةُ أَيْضًا: الْقَامَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْأُمَّةِ، أي حسن القامة، قال [[القائل هو الأعشى، كما في اللسان.]]:

وإن معاوية الاكرمي ... ن حِسَانُ الْوُجُوهِ طِوَالُ الْأُمَمِ

وَقِيلَ: الْأُمَّةُ الشَّجَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الدِّمَاغِ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَأْمُومٌ وَأَمِيمٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ "أَرِنَا" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، فَتَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقِيلَ: مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، وَيَلْزَمُ قَائِلُهُ أَنْ يَتَعَدَّى الْفِعْلُ مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَفَاعِيلَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَنْفَصِلُ [[قال أبو حيان في البحر:" وقوله: ينفصل ... إلخ. يعنى أنه قد استعمل في اللسان العربي متعديا إلى إثنين ومعه همزة النقل كما استعمل متعديا إلى اثنين بغير الهمزة.]] بِأَنَّهُ يُوجَدُ مُعَدًّى بِالْهَمْزَةِ مِنْ رُؤْيَةِ القلب إلى مفعولين [كغير المعدي [[زيادة عن ابن عطية.]]]، قال حطايط بْنُ يَعْفُرَ أَخُو الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:

أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لِأَنَّنِي [[ويروى "لعلى"، ولان بمعنى لعل.]] ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا

وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالسُّدِّيُّ وَرَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَرُوَيْسٍ وَالسُّوسِيِّ "أَرْنَا" بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي الْقُرْآنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَرَأَ أبو عمرو باختلاس كسرة الرَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَأَصْلُهُ أرينا بِالْهَمْزِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالسُّكُونِ قَالَ: ذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ وَذَهَبَتْ حَرَكَتُهَا وَبَقِيَتِ الرَّاءُ سَاكِنَةً عَلَى حَالِهَا، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُهَا ... مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا

وَمَنْ كَسَرَ فَإِنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ الْمَحْذُوفَةِ إِلَى الرَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو طَلَبَ الْخِفَّةَ. وَعَنْ شُجَاعِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ [[في أ، ب، ز: "أبى نصرة". وفي ج، ح: "أبى بصرة". والتصويب عن طبقات القراء وتهذيب التهذيب.]] وَكَانَ أَمِينًا صَادِقًا أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَذَاكَرَهُ أَشْيَاءَ مِنْ حُرُوفِ أَبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَرُدْ عَلَيْهِ إِلَّا حَرْفَيْنِ: هَذَا، وَالْآخَرُ "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا" مَهْمُوزًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَناسِكَنا﴾ يُقَالُ: إِنَّ أَصْلَ النُّسُكِ فِي اللُّغَةِ الْغَسْلُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ إِذَا غَسَلَهُ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبَادَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ نَاسِكٌ إِذَا كَانَ عَابِدًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْمَنَاسِكِ هُنَا، فَقِيلَ: مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَنَاسِكُ الْمَذَابِحُ، أَيْ مَوَاضِعُ الذَّبْحِ. وَقِيلَ: جَمِيعُ الْمُتَعَبَّدَاتِ. وَكُلُّ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يقال له منسك ومسك. وَالنَّاسِكُ: الْعَابِدُ. قَالَ النَّحَّاسُ: يُقَالُ نَسَكَ يَنْسُكُ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا: مَنْسُكٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَفْعُلٌ. وَعَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَالَ: أَيْ رَبِّ، قَدْ فَرَغْتُ فَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ، حَتَّى إِذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَجَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُ: أَحْصِبْهُ، فَحَصَبَهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ الْغَدَ ثُمَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، ثُمَّ عَلَا ثَبِيرًا [[ثبير: جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الذاهب إلى مكة.]] فَقَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَجِيبُوا، فَسَمِعَ دَعْوَتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَبْحُرِ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ سَبْعَةُ مُسْلِمُونَ فَصَاعِدًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَأُهْلِكَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ الْبَيْتِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فأراه الطواف بِالْبَيْتِ- قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ:" وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ- ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْعَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى وَكَبَّرَ، وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَيَا الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَيَا الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى أَفَلَ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا [[جمع (بفتح فسكون): المزدلفة.]] فَقَالَ: هَا هُنَا يَجْمَعُ النَّاسُ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَاتٍ فَقَالَ: عَرَفْتَ؟ فَقَالَ نَعَمْ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ عَرَفَاتٍ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: عَرَفْتَ، عَرَفْتَ، عَرَفْتَ؟ أَيْ مِنًى وَالْجَمْعَ وَهَذَا، فَقَالَ نَعَمْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ. وَعَنْ خُصَيْفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُجَاهِدًا حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "وَأَرِنا مَناسِكَنا" أَيِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ بِنَصِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ جِبْرِيلُ، فَلَمَّا مَرَّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِذَا إِبْلِيسُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَارْتَفَعَ إِبْلِيسُ إِلَى الْوُسْطَى، فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، ثُمَّ فِي الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى كَذَلِكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَرَفْتَ مَا أَرَيْتُكَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ لِذَلِكَ فِيمَا قِيلَ، قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، ثلاث مرار، فَفَعَلَ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قَالَ: فَمَنْ أَجَابَ يَوْمئِذٍ فَهُوَ حَاجٌّ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ حِينَ نَادَى اسْتَدَارَ فَدَعَا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَلَبَّى النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَشْرِقٍ وَمَغْرِبٍ، وَتَطَأْطَأَتِ الْجِبَالُ حَتَّى بَعُدَ صَوْتُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: طُفْ بِهِ سَبْعًا، فَطَافَ بِهِ سَبْعًا هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فِي كُلِّ طَوَافٍ، فَلَمَّا أَكْمَلَا سَبْعًا صَلَّيَا خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَقَامَ جِبْرِيلُ فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا: الصفا والمروة ومنى والمزدلفة. قال: فَلَمَّا دَخَلَ مِنًى وَهَبَطَ مِنْ الْعَقَبَةِ تَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ ... ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ: حَجَّ إِسْحَاقُ وَسَارَةُ مِنْ الشَّامِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحُجُّهُ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى الْبُرَاقِ، وَحَجَّتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأُمَمُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ مَكَّةَ فَتَعَبَّدَ بِهَا هُوَ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتُوا فَمَاتَ بِهَا نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَقُبُورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحِجْرِ (. وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ شُعَيْبًا مَاتَ بِمَكَّةَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهُمْ فِي غَرْبِيِّ مَكَّةَ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَبَيْنَ بَنِي سَهْمٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْرَانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمَا، قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ وَقَبْرُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فقبر إسماعيل في الجحر، وَقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقَابِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إِلَى زَمْزَمَ قُبُورُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَبِيًّا جَاءُوا حُجَّاجًا فَقُبِرُوا هُنَالِكَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: "وَتُبْ عَلَيْنا" وَهُمْ أَنْبِيَاءٌ مَعْصُومُونَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: طَلَبَا التَّثْبِيتِ وَالدَّوَامِ، لَا أَنَّهُمَا كَانَ لَهُمَا ذَنْبٌ. قُلْتُ: وَهَذَا حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَمَّا عَرَفَا الْمَنَاسِكَ وَبَنَيَا الْبَيْتَ أَرَادَا أَنْ يُبَيِّنَا لِلنَّاسِ وَيُعَرِّفَاهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ وَتِلْكَ الْمَوَاضِعَ مَكَانَ التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ وَطَلَبِ التَّوْبَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَةِ مِنَّا. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ [[يراجع ج ١ ص ٣٠ طبعه ثانية.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: "إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" فَأَغْنَى عن [[يراجع ج ١ ص ٣٢٥ طبعه ثانية.]] إعادته.