الشطر الثاني من الكتاب في الزهد
Texte du corpusOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 9472pris le 2026-10-21
وفيه بيان حقيقة الزهد
و بيان فضيلة الزهد
وبيان درجات الزهد وأقسامه وبيان تفصيل الزهد في المطعم والملبس والمسكن والأثاث وضروب المعيشة وبيان علامة الزهد
بيان حقيقة الزهد
اعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر الحال الباطن وإلا فليس القول مرادا لعينه وإن لم يكن صادرا عن حال سمي إسلاما ولم يسم إيمانا والعلم هو السبب في حال يجري مجرى المثمر والعمل يجري من الحال مجرى الثمرة فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل أما الحال فنعني بها ما يسمى زهدا وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه وإنما عدل إلى غيره لرغبته4:216
في غيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا فإذن يستدعي حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحبا ولذلك قال الله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين معناه باعوه فقد يطلق الشراء بمعنى البيع ووصف أخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض فإذن كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة وإن كان هو للميل في وضع اللسان
ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى حتى الفراديس ولا يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور والقصور والأنهار والفواكه فهو أيضا زاهد ولكنه دون الأول والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة فلا يستحق اسم الزاهد مطلقا ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات والزهد عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهدا وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه ولكن العادة تخصص هذا الاسم بترك المباحات فإذن الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير الله تعالى عدولا إلى الله تعالى وهي الدرجة العليا وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه فإن ترك ما لا يقدر عليه محال وبالترك يتبين زوال الرغبة ولذلك قيل لابن المبارك يا زاهد فقال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها وأما أنا ففيماذا زهدت
وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى كما تكون الجواهر خيرا وأبقى من الثلج مثلا
ولا بعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلئ فهكذا مثال الدنيا والآخرة فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة حتى إن من قوي يقينه يبيع نفسه وماله كما قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة4:217
خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه وإما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى قل متاع الدنيا قليل وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله عز وجل وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير فنبه على أن العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن المحبوب في أحب منه قال رجل في دعائه اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل هكذا ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك (1) وهذا لأن الله تعالى يراها حقيرة كما هي وكل مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقيرة والعبد يراها حقيرة في نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلا لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس والله تعالى غني بذاته عن كل ما سواه فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ويراه متفاوتا بالإضافة إلى غيره والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره وأما العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك واحد لأنه بيع ومعاملة واستبدال للذي هو خير بالذي هو أدنى فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه من اليد وأخذ العوض فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات ويخرج من العين واليد ما أخرجه من القلب ويوظف على اليد والعين وسائر الجوارح وظائف الطاعات وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن فإذا وفى بشرط الجانبين في الآخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به فإن الذي بايعه بهذا البيع وفي بالعهد فمن سلم حاضرا في غائب وسلم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد وما دام ممسكا للدنيا لا يصح زهده أصلا ولذلك لم يصف الله تعالى أخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا وعزموا على إبعاده كما عزموا على يوسف حتى تشفع فيه أحدهم فترك ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه بل عند التسليم والبيع فعلامة الرغبة والإمساك وعلامة الزهد والإخراج فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ولست زاهدا مطلقا وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد لأن ما لا يقدر عليه لا يقوى على تركه وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهدا فيها فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من الله فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها وإذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتقاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما ولكن تكون من تغيرها أيضا على حذر فإنها سريعة النقض للعهد قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقط وذلك عند القدرة قال ابن أبي ليلى لابن شبرمة ألا ترى إلى ابن الحائك هذا4:218
لا نفتي في مسألة إلا رد علينا يعني أبا حنيفة فقال ابن شبرمة لا أدري أهو ابن الحائك أم ما هو لكن اعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها وهربت منا فطلبناها وكذلك قال جميع المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه حتى نزل قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم (1)
قال ابن مسعود رحمه الله قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت منهم يعني من القليل قال وما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب وعلى سبيل الطمع فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات وإنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأما كل نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءة وفتوة وسخاء وحسن خلق ولكن لا يكون زهدا إذ حسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة وهي ألذ وأهنأ من المال وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزهد فكذلك تركه طمعا في الذكر والثناء والاشتهار بالفتوة والسخاء واستثقالا له لما في حفظ المال من المشقة والعناء
والحاجة إلى التذلل للسلاطين والأغنياء ليس من الزهد أصلا بل هو استعجال حظ آخر للنفس بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة صفوا عفوا وهو قادر على التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ومحبا لما سوى الله ويكون مشركا في حب الله تعالى غيره
أو تركها طمعا في ثواب الله في الآخرة فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعا في أشربة الجنة وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعا في الحور العين وترك التفرج في البساتين طمعا في بساتين الجنة وأشجارها وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنة وترك المطاعم اللذيذة طمعا في فواكه الجنة وخوفا من أن يقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا وصفوا لعلمه بأن ما في الآخرة خير وأبقى وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة أصلا
بيان فضيلة الزهد
قال الله تعالى فخرج على قومه في زينته إلى قوله
تعالى وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء وقال تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وجاء في التفسير على الزهد في الدنيا وقال عز وجل إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا قيل معناه أيهم أزهد فيها فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال وقال تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب وقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا4:219
وأما الأخبار فما ورد منها في ذم الدنيا كثير وقد أوردنا بعضها في كتاب ذم الدنيا مع ربع المهلكات إذ حب الدنيا من المهلكات ونحن الآن نقتصر على فضيلة بغض الدنيا فإنه من المنجيات وهو المعني بالزهد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة (1) وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم العبد وقد أعطي صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة (2) وقال تعالى {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} ولذلك قيل من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى الله ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وعن بعض الصحابة أنه قال قلنا يا رسول الله أي الناس خير قال كل مؤمن محموم القلب صدوق اللسان قلنا يا رسول الله وما محموم القلب قال التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغي ولا حسد قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة (3) ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا
وقال صلى الله عليه وسلم إن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا (4) فجعل الزهد سببا للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضا أن من محب الدنيا متعرض لبغض الله تعالى وفي خبر من طريق أهل البيت الزهد والورع يجولان في القلوب كل ليلة فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا (5) ولما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا مؤمن حقا قال وما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا فقال صلى الله عليه وسلم اعرفت فالزم عبد نور الله قلبه بالإيمان (6) فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس عن الدنيا وقرنه باليقين وكيف زكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال عبد نور الله قلبه بالإيمان
ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى الشرح في قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وقيل له ما هذا الشرح قال إن النور إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله وهل لذلك من علامة قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله (7) وقد تقدم فانظر كيف جعل الزهد شرطا للإسلام وهو التجافي عن دار الغرور وقال صلى الله عليه وسلم استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحي منه تعالى فقال ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون (8) فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله تعالى ولما قدم عليه بعض الوفود قالوا إنا مؤمنون قال وما علامة إيمانكم فذكروا4:220
الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال صلى الله عليه وسلم إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون (1) حديث جابر من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها شيئا وجبت له الجنة لم أره من حديث جابر وقد رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث زيد بن أرقم بإسناد ضعيف (2) حديث السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء ولم يخرجه ولده في مسنده (3) حديث السخي قريب من الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقد تقدم والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد
والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة
وروي عن ابن المسيب عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام (4) وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر ولعظمها في قلوبهم قال الله تعالى {وإذا العشار عطلت} قال فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره فقيل له يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها فقال قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا قوله تعالى {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به} الآية (5) وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ألا تستطعم لله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع فقال يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصير عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا قوة إلا بالله (6) وروي عن عمر رضي الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة رضي الله عنها4:221
البس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر فقال عمر يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته فقالت بلى قال ناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة وناشدتك الله هل تعلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر وهو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قربتم إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام على عباءة مثنية فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها فلما استيقظ قال منعتموني قيام الليلة بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعت له امرأة من بني ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره وقد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك فما زال يقول حتى أبكاها وبكى عمر رضي الله عنه وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج (1)
وفي بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنه قال كان لي صاحبان سلكا طريقا فإن سلكت غير طريقهما سلك بي طريق غير طريقهما وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم (2)
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ورد موسى عليه السلام ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال فهذا ما كان قد اختاره أنبياء الله ورسله وهم أعرف خلق الله بالله وبطريق الفوز في الآخرة
وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه قال لما نزل قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها4:222
في سبيل الله قال صلى الله عليه وسلم تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر فقال صلى الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو زوجة صالحة تعينه على أمر آخرته (1)
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا (2)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته (3) حديث ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل معه فصعد على الصفا الحديث في نزول إسرافيل وقوله إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة الحديث تقدم مختصرا (4) حديث إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف //4:223
وقال صلى الله عليه وسلم لرجل ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس (1) وقال صلى الله عليه وسلم من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا (2) وقال صلى الله عليه وسلم من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات (3)
ويروى عن نبينا وعن المسيح عليهما السلام أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء (4) وإيراد جميع الأخبار الواردة في مدح بغض الدنيا وذم حبها لا يمكن فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لصرف الناس عن الدنيا إلى الآخرة وإليه يرجع أكثر كلامهم مع الخلق وفيما أوردناه كفاية والله المستعان
وأما الآثار فقد جاء في الأثر لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله عز وجل ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم
وفي لفظ آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين
وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا
وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خيرا منكم قيل ولم ذلك قال كانوا أزهد في الدنيا منكم
وقال عمر رضي الله عنه الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد
وقال بلال بن سعد كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها
وقال رجل لسفيان أشتهي أن أرى عالما زاهدا فقال ويحك تلك ضالة لا توجد
Traductions
Cette traduction est celle de son traducteur, non celle de Sabīl. Elle est montrée telle que sa source la donne, comme un texte à part sous chaque livre, avec les titres du traducteur : elle ne se tient pas ligne à ligne en regard de l’arabe et garde les défauts de la copie d’où elle a été lue. Sabīl ne l’a pas vérifiée sur l’arabe, et aucun savant ne l’a relue.
Ceci est le texte arabe de l’Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn d’al-Ghazālī tel que le corpus OpenITI le donne, d’après la copie de Shamela de l’édition Dār al-Maʿrifa. Personne ne l’a comparé au livre imprimé ni à un manuscrit, et aucun savant ne l’a relu. Le corpus signale que, dans certaines pages, une partie du texte manque et que les notes de l’éditeur sont mêlées au texte ; l’un et l’autre sont montrés tels quels. Les pages de l’édition imprimée sont marquées là où elles finissent. Les traductions sont celles de leurs traducteurs ; chacune a été lue dans la copie nommée avec elle et est montrée comme un texte à part sous chaque livre, avec ses propres titres : aucune n’est placée ligne à ligne en regard de l’arabe, l’anglais de Karim abrège le livre comme son traducteur le dit, et chacune garde les défauts de la copie d’où elle a été lue. Sabīl n’a rien traduit, n’a vérifié aucune traduction sur l’arabe, et aucun savant n’en a relu une.