Skip to content
Tafsīr al-Qurṭubī · An-Nisaa
Sūrah 4

An-Nisaa

الجامع لأحكام القرآن

This is the Arabic text of a classical tafsīr as the Quranic Universal Library (QUL, by Tarteel) has it, taken through the open copy of QUL’s data that spa5k/tafsir_api keeps. QUL does not say which printed edition it follows and states no licence for the texts, so the right to show them is not verified. Nobody has compared it with a printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. Each passage stands beside the verses it comments on, which are the Qur’ān text of Tanzil, shown as it is there. Where the text carries a note of an editor’s, in double brackets, it is shown as it stands. There is no translation yet.

Text fromQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITtaken 2026-10-21

Verse 119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا 119

فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أَيْ لَأَصْرِفَنَّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى.

(وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أَيْ لَأُسَوِّلَنَّ لَهُمْ، مِنَ التَّمَنِّي، وَهَذَا لَا يَنْحَصِرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأُمْنِيَّةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا يُمَنِّيهِ بِقَدْرِ رَغْبَتِهِ وَقَرَائِنِ حَالِهِ. وَقِيلَ: لَأُمَنِّيَنَّهُمْ طُولَ الْحَيَاةِ الْخَيْرَ وَالتَّوْبَةَ وَالْمَعْرِفَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ.

(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) الْبَتْكُ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ سَيْفٌ بَاتِكٌ أَيْ أَحْمِلُهُمْ عَلَى قَطْعِ آذَانِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَنَحْوِهِ. يُقَالُ: بَتَكَهُ وَبَتَّكَهُ، (مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا) وَفِي يَدِهِ بِتْكَةٌ أي قطعة، والجمع بتك، قال زهير [[هذا عجز بيت، وصدره

حتى إذا ما هوت كف الغلام لها.]]:

طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ

الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ اللَّامَاتُ كُلُّهَا لِلْقَسَمِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّغْيِيرِ [[في اوح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج وط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.]] إِلَى مَاذَا يَرْجِعُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الْخِصَاءُ وَفَقْءُ الْأَعْيُنِ وَقَطْعُ الْآذَانِ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ. وَذَلِكَ كُلُّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ، وَتَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ بِالطُّغْيَانِ، وَقَوْلٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ. وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ، فَلِذَلِكَ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنْ يُغَيِّرَ [بِهَا [[في اوح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج وط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.]]] خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ أَتَتْهُمْ فَاجْتَالَتْهُمْ [[اجتالتهم: استخفتهم فجالوا معهم في الضلال.]] عَنْ دِينِهِمْ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُغَيِّرُوا خَلْقِي (. الْحَدِيثُ، أَخْرَجَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا. وَرَوَى إسماعيل قال حدثنا أبو الوليد وسليمان ابن حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا قَشِفُ الْهَيْئَةِ، قَالَ: (هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ)؟ [قَالَ [[في اوح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج وط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.]]] قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ (مِنْ أَيِّ الْمَالِ)؟ قُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ، مِنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالرَّقِيقِ- قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْغَنَمِ- قَالَ: (فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُهُ) ثُمَّ قال: (هل تنتج إبل [[نتجت الناقة (من باب ضرب): إذا ولدتها ووليت نتاجها. وفي النهاية: هل تنتج إبلك. أي تولدها وتلى نتاجها.]] قومك صحاحا آذَانُهَا فَتَعْمِدُ إِلَى مُوسَى فَتَشُقُّ آذَانَهَا وَتَقُولُ هذه بمر وَتَشُقُّ جُلُودَهَا وَتَقُولُ هَذِهِ صُرُمٌ [[صرم: (جمع صريم)، وهو المقطوع الاذن. وفى ج وط وز: حرم.]] لِتُحَرِّمَهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِكَ (؟ قَالَ: قُلْتُ أَجَلْ. قَالَ:) وَكُلُّ مَا آتَاكَ اللَّهُ حِلٌّ وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ مِنْ مُوسَاكَ، وَسَاعِدُ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ سَاعِدِكَ (. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا نَزَلْتُ بِهِ فَلَمْ يُقْرِنِي ثُمَّ نَزَلَ بِي أفأقريه أم أكافئه؟ فقال:) بل أقره (. الثانية- وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ وَأَثَرِهِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنْ نَسْتَشْرِفَ [[أي تأمل سلامتهما من آفة تكون بهما، وآفة العين عورها، وآفة الاذن قطعها. أو من الشرفة وهي خيار المال. أي أمرنا أن نتخيرها.]] الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا شَرْقَاءَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنَا، فَذَكَرَهُ. الْمُقَابَلَةُ: الْمَقْطُوعَةُ طَرَفَ الْأُذُنِ. وَالْمُدَابَرَةُ الْمَقْطُوعَةُ مُؤَخَّرَ الْأُذُنِ. وَالشَّرْقَاءُ: مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ. وَالْخَرْقَاءُ الَّتِي تَخْرِقُ أُذُنَهَا السِّمَةُ. وَالْعَيْبُ فِي الْأُذُنِ مُرَاعًى عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنَ أَوْ جُلُّ الْأُذُنِ لَا تُجْزِئُ، وَالشَّقُّ لِلْمِيسَمِ يُجْزِئُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ سَكَّاءَ، وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةَ الْأُذُنِ أَجْزَأَتْ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ- وَأَمَّا خِصَاءُ الْبَهَائِمِ فَرَخَّصَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا قُصِدَتْ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ إِمَّا لِسِمَنٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَتِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُضَحَّى بِالْخَصِيِّ، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ أَسْمَنَ مِنْ غَيْرِهِ. وَرَخَّصَ فِي خِصَاءِ الْخَيْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَخَصَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بَغْلًا لَهُ. وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي خِصَاءِ ذُكُورِ الْغَنَمِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ تَعْلِيقُ [[كذا في الأصول. في ابن العربي: (تعليق الحال بالدين).]] الْحَيَوَانِ بِالدِّينِ لِصَنَمٍ يُعْبَدُ، وَلَا لِرَبٍّ يُوَحَّدُ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ تَطْيِيبُ اللَّحْمِ [فِيمَا [[عن ابن العربي.]] يُؤْكَلُ]، وَتَقْوِيَةُ الذَّكَرِ إِذَا انْقَطَعَ أَمَلُهُ [[في اوح: انقطع عن الأنثى. وفى ط وج وز: انقطع أصله. والمثيت من ابن العربي.]] عَنِ الْأُنْثَى. وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). واختاره ابن المنذر وقال: لان ذلك ثَابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ يَقُولُ: هُوَ نَمَاءُ [[في ج، ط، ز: هو مما خلق الله.]] خَلْقِ اللَّهِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ خِصَاءَ كل شي لَهُ نَسْلٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَفِيهِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ خِصَاءِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ. وَالْآخَرُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَبْرِ [[صبر الإنسان وغيره على القتل: هو أن يحبس ثم يرمى بشيء حتى يموت.]] الرُّوحِ وَخِصَاءِ الْبَهَائِمِ. وَالَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ وَيَقُولُ: فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: يَعْنِي فِي تَرْكِ الْإِخْصَاءِ تَمَامُ الْخَلْقِ، وَرُوِيَ نَمَاءُ الْخَلْقِ. قُلْتُ: أَسْنَدَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: (لَا تَخْصُوا مَا يُنَمِّي خَلْقَ اللَّهِ). رَوَاهُ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ شَيْخُهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ حَدَّثَنَا [[كذا في كل الأصول بالدال المهملة، ولعله أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المعذل بالمعجمة.]]] عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ. الْخَامِسَةُ- وَأَمَّا الْخِصَاءُ فِي الْآدَمِيِّ فَمُصِيبَةٌ، فَإِنَّهُ إِذَا خُصِيَ بَطَلَ قَلْبُهُ وَقُوَّتُهُ، عَكْسُ الْحَيَوَانِ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ [[كذا في الأصول وكثير من الكتب. وصحته الرواية كما في البيهق (تناكحوا تكثروا فانى أباهي بكم الأمم يوم القيامة) راجع كشف الخفا ج ١ ص ٣١٨.]]) ثُمَّ إِنَّ فِيهِ أَلَمًا عَظِيمًا رُبَّمَا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْهَلَاكِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَضْيِيعُ مَالٍ وَإِذْهَابُ نَفْسٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. ثُمَّ هَذِهِ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ شِرَاءَ الْخَصِيِّ مِنَ الصَّقَالِبَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالُوا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَوْا مِنْهُمْ لَمْ يُخْصَوْا. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ خِصَاءَ بَنِي آدَمَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ قَطْعُ سَائِرِ أَعْضَائِهِمْ في غير حد ولا قود، قال أَبُو عُمَرَ. السَّادِسَةُ- وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَسْمَ وَالْإِشْعَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَالْوَسْمُ: الْكَيُّ بِالنَّارِ وَأَصْلُهُ الْعَلَامَةُ، يُقَالُ: وَسَمَ الشَّيْءَ يَسِمُهُ إِذَا عَلَّمَهُ بِعَلَامَةٍ يُعْرَفُ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [[راجع ج ١٦ ص ٢٩٢]]). فَالسِّيمَا الْعَلَامَةُ وَالْمِيسَمُ الْمِكْوَاةُ. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنس قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمِيسَمَ وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يُعْرَفَ كُلُّ مَالٍ فَيُؤَدَّى فِي حَقِّهِ، وَلَا يُتَجَاوَزُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ. السَّابِعَةُ- وَالْوَسْمُ جَائِزٌ فِي كُلِّ الْأَعْضَاءِ غَيْرَ الْوَجْهِ، لِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِشَرَفِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، إِذْ هُوَ مَقَرُّ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، وَلِأَنَّ بِهِ قِوَامَ الْحَيَوَانِ، وَقَدْ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَقَالَ: (اتَّقِ الْوَجْهَ [[في ج: اتق الله.]] فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) أَيْ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ، أَيْ وَجْهِ هَذَا الْمَضْرُوبِ يُشْبِهُ وَجْهَ آدَمَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَمَ لِشَبَهِهِ [[في ج: ما يشبهه.]]. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِشَارَةُ بِالتَّغْيِيرِ إِلَيَّ الْوَشْمِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنَ التصنع للحسن، قال ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [[من ج.]] وَسَلَّمَ]: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ [وَالنَّامِصَاتِ [[الزيادة عن صحيح مسلم.]]] وَالْمُتَنَمِّصَاتِ [وَالْمُتَفَلِّجَاتِ] لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ) الْحَدِيثُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي الْحَشْرِ [[راجع ج ١٨ ص ١٨.]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْوَشْمُ يَكُونُ فِي الْيَدَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَغْرِزَ ظَهْرَ كَفِّ الْمَرْأَةِ وَمِعْصَمِهَا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ يُحْشَى بِالْكُحْلِ أَوْ بِالنَّئُورِ [[النئور: دخان الشحم.]] فَيَخْضَرُّ. وَقَدْ وَشَمَتْ تَشِمُ وَشْمًا فَهِيَ وَاشِمَةٌ. وَالْمُسْتَوْشِمَةُ الَّتِي يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا، قَالَ الْهَرَوِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَرِجَالُ صِقِلِّيَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ يَفْعَلُونَهُ، لِيَدُلَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى رُجْلَتِهِ [[كذا في ابن العربي وج، ط، وهو مثلث الراء.]] فِي حَدَاثَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْهَرَوِيِّ- أَحَدُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ- مَكَانَ (الْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ) (الْوَاشِيَةَ وَالْمُسْتَوْشِيَةَ) (بِالْيَاءِ مَكَانَ الْمِيمِ) وَهُوَ مِنَ الْوَشْيِ وَهُوَ التَّزَيُّنُ، وَأَصْلُ الْوَشْيِ نَسْجُ الثَّوْبِ عَلَى لَوْنَيْنِ، وَثَوْرٌ مُوَشًّى فِي وَجْهِهِ وَقَوَائِمِهِ سَوَادٌ، أَيْ تَشِي الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِمَا تَفْعَلُهُ فِيهَا مِنَ التَّنْمِيصِ وَالتَّفْلِيجِ وَالْأَشْرِ. وَالْمُتَنَمِّصَاتُ جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَقْلَعُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا بِالْمِنْمَاصِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْلَعُ الشَّعْرَ، وَيُقَالُ لَهَا النَّامِصَةُ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَهْلُ مِصْرَ يَنْتِفُونَ شَعْرَ الْعَانَةِ وَهُوَ مِنْهُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ حَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ، فَأَمَّا نَتْفُ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يرخيه ويؤذيه، ويبطل كثيرا من المنفعة فِيهِ. وَالْمُتَفَلِّجَاتُ جَمْعُ مُتَفَلِّجَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَفْعَلُ الْفَلَجَ فِي أَسْنَانِهَا، أَيْ تُعَانِيهِ حَتَّى تَرْجِعَ الْمُصْمَتَةُ الْأَسْنَانَ خِلْقَةً فَلْجَاءَ صَنْعَةً. وَفِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ: (الْوَاشِرَاتُ)، وَهِيَ جَمْعُ وَاشِرَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَشِرُ أَسْنَانَهَا، أَيْ تَصْنَعُ فِيهَا أَشْرًا، وَهِيَ التَّحْزِيزَاتُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَسْنَانِ الشُّبَّانِ [[في ج: الشباب.]]، تَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ تَشَبُّهًا بِالشَّابَّةِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا قَدْ شَهِدَتِ الْأَحَادِيثُ بِلَعْنِ فَاعِلِهَا وَأَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي نُهِيَ لِأَجْلِهَا، فَقِيلَ: لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التَّدْلِيسِ. وَقِيلَ: مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ. ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بَاقِيًا، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا مالا يَكُونُ بَاقِيًا كَالْكُحْلِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ لِلنِّسَاءِ فَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ لِلرِّجَالِ. وَأَجَازَ مَالِكٌ أَيْضًا أَنْ تَشِيَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا بِالْحِنَّاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ إِنْكَارُ ذَلِكَ وَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَخْضِبَ يَدَيْهَا كُلَّهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ، وَلَا تَدَعُ الْخِضَابَ بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً لَا تختضب فقال: (لا تدع أحدا كن يَدَهَا كَأَنَّهَا يَدُ رَجُلٍ) فَمَا زَالَتْ تَخْتَضِبُ وَقَدْ جَاوَزَتِ التِّسْعِينَ حَتَّى مَاتَتْ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَجَاءَ حَدِيثٌ بِالنَّهْيِ عَنْ تَسْوِيدِ الْحِنَّاءِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَلَا تَتَعَطَّلُ، وَيَكُونُ فِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ مِنْ سَيْرٍ فِي خَرَزٍ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ [رَضِيَ [[من ج وط.]] اللَّهُ عَنْهَا]: (إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونِي بِغَيْرِ قِلَادَةٍ إِمَّا بِخَيْطٍ وَإِمَّا بِسَيْرٍ. وَقَالَ أَنَسٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّقَ فِي عُنُقِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ سَيْرًا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تغيير شي مِنْ خَلْقِهَا الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، الْتِمَاسَ الْحُسْنِ لِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءً فَلَجَتْ أَسْنَانَهَا أَوْ وَشَرَتْهَا، أَوْ كَانَ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ فَأَزَالَتْهَا أَوْ أَسْنَانٌ طِوَالٌ فَقَطَعَتْ أَطْرَافَهَا. وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهَا حَلْقُ لِحْيَةٍ أَوْ شَارِبٍ أَوْ عَنْفَقَةٍ إِنْ نَبَتَتْ لَهَا، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَيَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ مَنْ خُلِقَ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ أَوْ عُضْوٍ زَائِدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ وَلَا نَزْعُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزَّوَائِدُ تُؤْلِمُهُ فَلَا بَأْسَ بِنَزْعِهَا عند أبي جعفر وغيره.

الثَّامِنَةُ- قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَنَهَى ﷺ عَنْ وَصْلِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا، وَهُوَ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ شَعْرٌ آخَرُ يَكْثُرُ بِهِ، وَالْوَاصِلَةُ هِيَ الَّتِي تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ هِيَ الَّتِي تَسْتَدْعِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا. مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِشَعْرِهَا [[هكذا في الأصول. وفى صحيح مسلم: (برأسها).]] شَيْئًا. وَخَرَّجَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا [[مريسا (بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة) تصغير عروس والعريس يقع على المرأة والرجل عند الزواج. وتمرق: انتثر وتساقط.]] أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ؟ فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ). وَهَذَا كُلُّهُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ وَصْلِ الشَّعْرِ، وَبِهِ قَالَ مالك وجماعة العلماء. ومنعوا الوصل بكل شي مِنَ الصُّوفِ وَالْخِرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَصْلِهِ [[في ج: وصل الشعر.]] بِالشَّعْرِ. وَشَذَّ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَأَجَازَ وَصْلَهُ بِالصُّوفِ وَالْخِرَقِ وَمَا لَيْسَ بِشَعْرٍ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَأَبَاحَ آخَرُونَ وَضْعَ الشَّعْرِ عَلَى الرَّأْسِ وَقَالُوا: إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْوَصْلِ خَاصَّةً، وَهَذِهِ ظَاهِرِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَإِعْرَاضٌ عَنِ الْمَعْنَى. وَشَذَّ قَوْمٌ فَأَجَازُوا الْوَصْلَ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ قَطْعًا تَرُدُّهُ الْأَحَادِيثُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَصِحَّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي كَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ، أَتَرَانِي آكُلُ مِنْ مَالِهَا؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ تَصِلُ فَلَا. وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ مَا رُبِطَ [مِنْهُ [[من ج، ط.]]] بِخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ عَلَى وَجْهِ الزِّينَةِ وَالتَّجْمِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التَّاسِعَةُ- وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَادُ بِالتَّغْيِيرِ لِخَلْقِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ وَالنَّارَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، لِيُعْتَبَرَ بِهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا، فَغَيَّرَهَا الْكُفَّارُ بِأَنْ جَعَلُوهَا آلِهَةً مَعْبُودَةً. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِتُرْكَبَ وَتُؤْكَلَ فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْحِجَارَةَ مُسَخَّرَةً لِلنَّاسِ فَجَعَلُوهَا آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا، فَقَدْ غَيَّرُوا مَا خَلَقَ اللَّهُ. وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) دين الله، وقاله النَّخَعِيُّ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ معناه دَخَلَ فِيهِ [فِعْلُ [[من ج، ط.]]] كُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ خِصَاءٍ وَوَشْمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُو إِلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي، أَيْ فَلَيُغَيِّرُنَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي دِينِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، يَعْنِي أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَمَرَهُمُ الشَّيْطَانُ بِتَغْيِيرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ). فَيَرْجِعُ مَعْنَى الْخَلْقِ إِلَى مَا أَوْجَدَهُ فِيهِمْ يَوْمَ الذَّرِّ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]]). قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْضُرُ نِكَاحَ سَوْدَاءَ بِأَبْيَضَ وَلَا بَيْضَاءَ بِأَسْوَدَ، وَيَقُولُ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ). قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا أَنْفَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نِكَاحِ مَوْلَاهُ زَيْدٍ وَكَانَ أَبْيَضَ، بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةِ أُمِّ أُسَامَةَ وَكَانَ أَسْوَدَ مِنْ أَبْيَضَ، وَهَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى طَاوُسٍ مَعَ عِلْمِهِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَنْكَحَ أُسَامَةَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ قُرَشِيَّةً. وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَ بِلَالٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ زُهْرِيَّةُ. وَهَذَا أَيْضًا يَخُصُّ، وَقَدْ خَفِيَ عليهما [[كذا في الأصول. وحقه الافراد. ولعل الضمير يعود لطاوس وابن العربي.]].