Skip to content
Tafsīr al-Qurṭubī · Aal-i-Imraan
Sūrah 3

Aal-i-Imraan

الجامع لأحكام القرآن

This is the Arabic text of a classical tafsīr as the Quranic Universal Library (QUL, by Tarteel) has it, taken through the open copy of QUL’s data that spa5k/tafsir_api keeps. QUL does not say which printed edition it follows and states no licence for the texts, so the right to show them is not verified. Nobody has compared it with a printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. Each passage stands beside the verses it comments on, which are the Qur’ān text of Tanzil, shown as it is there. Where the text carries a note of an editor’s, in double brackets, it is shown as it stands. There is no translation yet.

Text fromQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITtaken 2026-10-21

Verses 35–36

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ 35 فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ 36

فِيهِ ثَمَانُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "إِذْ" زَائِدَةٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ إِذْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَاصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ. وَهِيَ حَنَّةُ (بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ) بِنْتُ فَاقْوَدَ بْنِ قُنْبُلَ أُمُّ مَرْيَمَ جَدَّةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَرَبِيٍّ وَلَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَنَّةُ اسْمُ امْرَأَةٍ. وَفِي الْعَرَبِيَّةِ أَبُو حَنَّةَ الْبَدْرِيُّ، وَيُقَالُ فِيهِ: أَبُو حَبَّةَ (بِالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ) وَهُوَ أَصَحُّ، وَاسْمُهُ عَامِرٌ، وَدَيْرُ حَنَّةَ بِالشَّامِ، وَدَيْرٌ آخَرُ [[هو "دير حنة" بالحيرة من بناء نوح (راجع مسالك الأبصار ج ١ ص ٣١٢ طبعه دار الكتب المصرية).]] أَيْضًا يُقَالُ لَهُ كَذَلِكَ، قَالَ أَبُو نُوَاسٍ:

يَا دَيْرُ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الْأُكَيْرَاحِ [[الاكيراح (بالضم ثم الفتح وياء ساكنة وراء وألف وحاء): مواضع تخرج إليها النصارى في أعيادهم.

(عن القاموس). وفى مسالك الأبصار: (أنها قباب صغار يسكنها رهبان يقال الواحد منها الكرح).]] ... مَنْ يَصْحُ عَنْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي

وَحَبَّةُ فِي الْعَرَبِ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ أَبُو حَبَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ [[هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، كانت زوجة لسعد بن خولة فمات عنها بمكة فقال لها أبو السنابل حبة: إن أحلك أربعة أشهر وعشر، وقد كانت وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قيل خمس وعشرون ليلة، وقيل أقل من ذلك، فلما قال لها أبو السنابل ذلك أتت ألى النبي ﷺ فأخبرته فقال لها: (قد حللت فانكحي من شئت). روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا. وذكر ابن سعد أن أبا السنابل بن بعكك قد كان فيمن خطئها. وذكر ابن البرقي أنه تزوجها وأولدها ابنه سينابل.

(راجع الاستيعاب وتهذيب التهذيب وابن سعد).]] حَبَّةُ، وَلَا يُعْرَفُ خَنَّةُ بِالْخَاءِ الْمَعْجَمَةِ [[وفي المشتبه للذهبي: بالخاء المعجمة ونون.]] إِلَّا بِنْتُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَهِيَ أُمُّ [[الذي في المشتبه: "زوجة محمد".]] مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَلَا يُعْرَفُ جَنَّةُ (بِالْجِيمِ) إِلَّا أَبُو جَنَّةَ، وَهُوَ خَالُ ذِي الرُّمَّةِ الشَّاعِرِ. كُلُّ هَذَا مِنْ كِتَابِ ابْنِ مَاكُولَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَى النَّذْرِ [[راجع ج ٣ ص ٣٣٠.]]، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ إِلَّا بِأَنْ يُلْزِمَهُ نَفْسَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ قَالَتْ: لَئِنْ نَجَّانِي اللَّهُ ووضعت مَا فِي بَطْنِي لَجَعَلْتُهُ مُحَرَّرًا. وَمَعْنَى "لَكَ" أَيْ لِعِبَادَتِكَ. "مُحَرَّراً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي غُلَامًا مُحَرَّرًا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ التَّفْسِيرِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ وَالْإِعْرَابِ: أَمَّا الْإِعْرَابُ فَإِنَّ إِقَامَةَ النَّعْتِ مَقَامَ الْمَنْعُوتِ لَا يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ، وَيَجُوزُ عَلَى الْمَجَازِ فِي أُخْرَى، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ إِنَّ سَبَبَ قَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَلِدُ، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، وَإِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَبَصُرَتْ بِطَائِرٍ يَزُقُّ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُهَا لِذَلِكَ، وَدَعَتْ رَبَّهَا أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا، وَنَذَرَتْ إِنْ وَلَدَتْ أَنْ تَجْعَلَ وَلَدَهَا [[في ب: ما ولدته.]] مُحَرَّرًا: أَيْ عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ حَبِيسًا عَلَيْهَا، مُفَرَّغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَكَانَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُمْ. فَلَمَّا وَضَعَتْ مَرْيَمَ قَالَتْ: "رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى " يَعْنِي أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ. قِيلَ لِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى. وَقِيلَ: لَا تَصْلُحُ لِمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ. وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا [[في ب ود: غلاما.]] فَلِذَلِكَ حُرِّرَتِ. الثَّالِثَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" لَا خِلَافَ أَنَّ امْرَأَةَ عِمْرَانَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَى حَمْلِهَا نَذْرٌ لِكَوْنِهَا حُرَّةً، فَلَوْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ أَمَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَصِحُّ لَهُ نَذْرٌ فِي وَلَدِهِ وَكَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ حَالُهُ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاذِرُ عَبْدًا فَلَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مِثْلُهُ، فَأَيُّ وَجْهٍ لِلنَّذْرِ فِيهِ؟ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يُرِيدُ وَلَدَهُ لِلْأُنْسِ بِهِ وَالِاسْتِنْصَارِ وَالتَّسَلِّي، فَطَلَبَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ أُنْسًا بِهِ وَسُكُونًا إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِهِ نَذَرَتْ أَنَّ حَظَّهَا مِنَ الْأُنْسِ بِهِ مَتْرُوكٌ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفٌ، وَهَذَا نَذْرُ الْأَحْرَارِ مِنَ الْأَبْرَارِ. وَأَرَادَتْ بِهِ مُحَرَّرًا مِنْ جِهَتِي، مُحَرَّرًا مِنْ رِقِّ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ لِأُمِّهِ: يَا أُمَّهْ: ذَرِينِي لِلَّهِ أَتَعَبَّدُ لَهُ وَأَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ، فَقَالَتْ نَعَمْ. فَسَارَ حَتَّى تَبَصَّرَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَتْ مَنْ؟ فَقَالَ لَهَا: ابْنُكِ فُلَانٌ، قَالَتْ: قَدْ تَرَكْنَاكَ لِلَّهِ وَلَا نَعُودُ فِيكَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُحَرَّراً﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْعُبُودِيَّةِ، مِنْ هَذَا تَحْرِيرُ الْكِتَابِ، وَهُوَ تَخْلِيصُهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ والفساد. وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد: أَنَّ الْمُحَرَّرَ الْخَالِصُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يشوبه شي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مَا خَلَصَ: حُرٌّ، وَمُحَرَّرٌ بِمَعْنَاهُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

وَالْقُرْطُ فِي حُرَّةِ الذِّفْرَى مُعَلَّقُهُ ... تَبَاعَدَ الْحَبْلُ مِنْهُ فَهُوَ يَضْطَرِبُ [[الذفر يان: ما بين يمين العنق ويساره، وتباعد الحبل منه، أي تباعد حبل العنق من القرط لأنها طويلة العنق ليست بوقصاء، ومعلقة، أي مكان تعليقه.]]

وَطِينٌ حُرٌّ لَا رَمْلَ فِيهِ، وَبَاتَتْ فُلَانَةُ بِلَيْلَةٍ حُرَّةٍ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا زَوْجُهَا أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا فَهِيَ بِلَيْلَةٍ شَيْبَاءَ. الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَتْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْبَلُ فِي النَّذْرِ إِلَّا الذُّكُورَ، فَقَبِلَ اللَّهُ مَرْيَمَ. وَ "أُنْثى " حَالٌ، وَإِنْ شِئْتَ بَدَلٌ. فَقِيلَ: إِنَّهَا رَبَّتْهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا، رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: وَقِيلَ: لَفَّتْهَا فِي خِرْقَتِهَا وَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَفَّتْ بِنَذْرِهَا وَتَبَرَّأَتْ مِنْهَا. وَلَعَلَّ الْحِجَابَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَاتَتْ. الْحَدِيثَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ هُوَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ "وَضَعَتْ" بِضَمِ التَّاءِ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهَا، فَالْكَلَامُ مُتَّصِلٌ. وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَامِرٍ، وَفِيهَا مَعْنَى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّنْزِيهِ لَهُ [أن يخفى [[الزيادة من ب ود.]] عليه شي]، وَلَمْ تَقُلْهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ عِلْمَ الله في كل شي قَدْ تَقَرَّرَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ وَالتَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُدِّمَ، وَتَقْدِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا بَعْدَ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ مَكِّيٌّ: هُوَ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا عَلَى طَرِيقِ التَّثْبِيتِ فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ أُمُّ مَرْيَمَ قَالَتْهُ أَوْ لَمْ تَقُلْهُ. وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِ أُمِّ مَرْيَمَ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ، لِأَنَّهَا نَادَتْهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهَا: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "بِمَا وَضَعْتِ" بِكَسْرِ التَّاءِ، أي قيل لها هذا.

السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُطَاوِعَةَ فِي نهار رمضان لزوجها على الوطي لَا تُسَاوِيهِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَةٌ، فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ، وَهَذِهِ الصَّالِحَةُ إِنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَدُ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ حَالِهَا وَمَقْطَعُ كَلَامِهَا، فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَةَ الْمَسْجِدِ فِي وَلَدِهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ وَأَنَّهَا عَوْرَةٌ اعْتَذَرَتْ إِلَى رَبِّهَا مِنْ وُجُودِهَا لَهَا [[في ب: له، وفى ز: من وجود مالها.]] عَلَى خِلَافِ مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا. وَلَمْ يَنْصَرِفْ "مَرْيَمَ" لِأَنَّهُ مؤنث معرفة، وهو أيضا أعجمي، قال النَّحَّاسُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي خَادِمَ الرَّبِّ فِي لُغَتِهِمْ.

(وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ) يَعْنِي مَرْيَمَ.

(وَذُرِّيَّتَها) يَعْنِي عِيسَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْوَلَدِ خَاصَّةً. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ [الشَّيْطَانِ] [[زيادة من صحيح مسلم.]] إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: "وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ". قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دُعَاءَ أُمِّ مَرْيَمَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُ جَمِيعَ وَلَدِ آدَمَ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ مَوْلُودٍ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى وَأُمِّهِ جُعِلَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فَأَصَابَتِ الطَّعْنَةُ الحجاب ولم ينفذ لها منه شي، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْخُصُوصِيَّةُ بِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ نَخْسَ الشَّيْطَانِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِضْلَالُ الْمَمْسُوسِ وَإِغْوَاؤُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ فَاسِدٌ، فَكَمْ تَعَرَّضَ الشَّيْطَانُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ بِأَنْوَاعِ الْإِفْسَادِ وَالْإِغْوَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ فَعَصَمَهُمُ [[كذا في ب ود بالفاء.]] اللَّهُ مِمَّا يَرُومُهُ الشَّيْطَانُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] [[راجع ج ١٠ ص ٢٨.]]. هَذَا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرْيَمُ وَابْنُهَا وَإِنْ عُصِمَا مِنْ نَخْسِهِ فَلَمْ يُعْصَمَا مِنْ مُلَازَمَتِهِ لَهُمَا وَمُقَارَنَتِهِ. وَاللَّهُ أعلم.