Skip to content
Tafsīr al-Qurṭubī · Al-Baqara
Sūrah 2

Al-Baqara

الجامع لأحكام القرآن

This is the Arabic text of a classical tafsīr as the Quranic Universal Library (QUL, by Tarteel) has it, taken through the open copy of QUL’s data that spa5k/tafsir_api keeps. QUL does not say which printed edition it follows and states no licence for the texts, so the right to show them is not verified. Nobody has compared it with a printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. Each passage stands beside the verses it comments on, which are the Qur’ān text of Tanzil, shown as it is there. Where the text carries a note of an editor’s, in double brackets, it is shown as it stands. There is no translation yet.

Text fromQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITtaken 2026-10-21

Verse 21

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 21

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) قَالَ عَلْقَمَةُ وَمُجَاهِدٌ: كُلُّ آيَةٍ أَوَّلُهَا "يَا أَيُّهَا النَّاسُ" فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَكُلِّ آيَةٍ أَوَّلُهَا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَرُدُّهُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وَالنِّسَاءَ مَدَنِيَّتَانِ وَفِيهِمَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ. وَأَمَّا قولهما في ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٩] فَصَحِيحٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا كَانَ مِنْ حَدٍّ أَوْ فَرِيضَةٍ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْأُمَمِ وَالْعَذَابِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ. وَهَذَا وَاضِحٌ. وَ "يَا" فِي قَوْلِهِ: "يَا أَيُّهَا" حَرْفُ نِدَاءٍ "أَيُّ" مُنَادَى مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِأَنَّهُ مُنَادًى فِي اللَّفْظِ، وَ "هَا" لِلتَّنْبِيهِ. "النَّاسُ" مَرْفُوعٌ صِفَةٌ لِأَيٍّ عِنْدَ جَمَاعَةِ النَّحْوِيِّينَ، مَا عَدَا الْمَازِنِيَّ فَإِنَّهُ أَجَازَ النَّصْبَ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِهِ فِي: يَا هَذَا الرَّجُلَ. وَقِيلَ: ضُمَّتْ "أَيٌّ" كَمَا ضُمَّ الْمَقْصُودُ الْمُفْرَدُ، وَجَاءُوا بِ "هَا" عِوَضًا عَنْ يَاءٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتُوا بِيَاءٍ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ فَجَاءُوا بِ "هَا" حَتَّى يَبْقَى الْكَلَامُ مُتَّصِلًا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: كَأَنَّكَ كَرَّرْتَ "يَا" مَرَّتَيْنِ وَصَارَ الِاسْمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا قَالُوا: هَا هُوَ ذَا. وَقِيلَ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَرْفَيْ تَعْرِيفٍ أَتَوْا فِي الصُّورَةِ بِمُنَادًى مُجَرَّدٍ عَنْ حَرْفِ تَعْرِيفٍ، وَأَجْرَوْا عَلَيْهِ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ الْمَقْصُودَ بِالنِّدَاءِ، وَالْتَزَمُوا رَفْعَهُ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالنِّدَاءِ، فَجَعَلُوا إِعْرَابَهُ بِالْحَرَكَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقُّهَا لَوْ بَاشَرَهَا النِّدَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ الْمُنَادَى، فَاعْلَمْهُ. وَاخْتُلِفَ مِنَ الْمُرَادِ بِالنَّاسِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣]. الثَّانِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، فَيَكُونُ خِطَابُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاسْتِدَامَةِ الْعِبَادَةِ، وَلِلْكَافِرِينَ بِابْتِدَائِهَا. وَهَذَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اعْبُدُوا﴾ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ لَهُ. وَالْعِبَادَةُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنْ تَوْحِيدِهِ وَالْتِزَامِ شَرَائِعِ دِينِهِ. وَأَصْلُ الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَانَتْ مَوْطُوءَةً بِالْأَقْدَامِ.

قَالَ طَرَفَةُ:

وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدٍ [[صدر البيت:

تبارى عناقا ناجيات أتبعت

تبارى: تعارض، يقال: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله. والعتاق: الكرام من الإبل البيض. والناجيات: السراع. والوظيف: عظم الساق. وقوله: أتبعت وظيفا وظيفا، أي اتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت. والمسور: الطريق (عن شرح المعلقات).]]

وَالْعِبَادَةُ: الطَّاعَةُ. وَالتَّعَبُّدُ: التَّنَسُّكُ. وَعَبَّدْتُ فُلَانًا: اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خَصَّ تَعَالَى خَلْقَهُ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ صِفَاتِهِ إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ مُقِرَّةً بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَتَقْرِيعًا لَهُمْ. وَقِيلَ: لِيُذَكِّرَهُمْ بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ. وَفِي أَصْلِ الْخَلْقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّقْدِيرُ، يُقَالُ: خَلَقْتُ الْأَدِيمَ لِلسِّقَاءِ إِذَا قَدَّرْتُهُ قَبْلَ الْقَطْعِ، قَالَ الشَّاعِرُ: [[هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان. يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته. وغيرك يقدر ما لا يقطعه، لأنه ليس بماضي العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه.

(عن اللسان).]]

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

وَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَا خَلَقْتُ إِلَّا فَرَيْتُ، وَلَا وَعَدْتُ إِلَّا وَفَّيْتُ. الثَّانِي: الْإِنْشَاءُ وَالِاخْتِرَاعُ وَالْإِبْدَاعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾[[راجع ج ١٣ ص ٣٣٥]] [العنكبوت: ١٧].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَيُقَالُ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ خَلْقُهُمْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ خَلْقُ غَيْرِهِمْ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرِي الْكَلَامُ عَلَى التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْعِظَةِ، فَذَكَّرَهُمْ مَنْ قَبْلَهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي أَمَاتَ مَنْ قَبْلَهُمْ وَهُوَ خَلَقَهُمْ يُمِيتُهُمْ، وَلِيُفَكِّرُوا فِيمَنْ مَضَى قَبْلَهُمْ كَيْفَ كَانُوا، وَعَلَى أَيِّ الْأُمُورِ مَضَوْا مِنْ إِهْلَاكِ مَنْ أَهْلَكَ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ كَمَا ابْتُلُوا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "لعل" متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لِأَنَّ مَنْ ذَرَأَهُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ لَمْ يَخْلُقْهُ لِيَتَّقِيَ. وَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِيمَا وَرَدَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ:" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

... ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ... ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

... ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" فيه ثلاث تأويلات.

الْأَوَّلُ: أَنَّ "لَعَلَّ" عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعِ، وَالتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَيِّزِ الْبَشَرِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: افْعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الرَّجَاءِ مِنْكُمْ وَالطَّمَعِ أَنْ تَعْقِلُوا وَأَنْ تَذَّكَّرُوا وَأَنْ تَتَّقُوا. هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَرُؤَسَاءِ اللِّسَانِ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى " [[راجع ج ١١ ص ١٩٩.]] [طه: ٤٤ ٤٣] قَالَ مَعْنَاهُ: اذْهَبَا عَلَى طَمَعِكُمَا وَرَجَائِكُمَا أَنْ يَتَذَكَّرَ أَوْ يَخْشَى. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو الْمَعَالِي. الثَّانِي أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ "لَعَلَّ" مُجَرَّدَةً مِنَ الشَّكِّ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ. فَالْمَعْنَى لِتَعْقِلُوا وَلِتَذَكَّرُوا وَلِتَتَّقُوا، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوَثَّقِ

فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ فِي الْمَلَا مُتَأَلِّقِ

الْمَعْنَى: كُفُّوا الْحُرُوبَ لِنَكُفَّ، وَلَوْ كَانَتْ "لَعَلَّ" هُنَا شَكًّا لَمْ يُوَثِّقُوا لَهُمْ كُلَّ مُوَثَّقٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ قُطْرُبٍ وَالطَّبَرِيِّ. الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ "لَعَلَّ" بِمَعْنَى التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: افْعَلُوا ذَلِكَ مُتَعَرِّضِينَ لِأَنْ تَعْقِلُوا، أَوْ لِأَنْ تَذَّكَّرُوا أَوْ لِأَنْ تَتَّقُوا. وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" أَيْ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا بِقَبُولِ مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ وِقَايَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ. وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: اتَّقَاهُ بِحَقِّهِ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِهِ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ دَفْعَهُ حَقَّهُ إِلَيْهِ وِقَايَةً لَهُ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ جَعَلْنَاهُ وِقَايَةً لَنَا مِنَ الْعَدُوِّ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ:

وَلَقَدْ كَرَرْتُ الْمُهْرَ يَدْمَى نَحْرُهُ ... حَتَّى اتَّقَتْنِي الخيل بابني حذيم