الفصل الثامن حكم الناقل والحاكي لهذا الكلام عن غيره
Text fromOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 23645taken 2026-10-21
الوجه السادس:
أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره، وآثرا «1» له عن سواه فهذا ينظر في صورة حكايته، وقرينة مقالته، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه: الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم.
- فإن كان أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير منه والتجريح له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله.
وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الردله والنقض2:530
على قائله. والفتيا بما يلزمه.. وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك والمحكي عنه.
فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث، أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فتياه في الحقوق، وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه، والتنفير للناس عنه، والشهادة- عليه بما قاله، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره، وبيان كفره، وفساد قوله لقطع ضرره عن المسلمين، وقياما بحق سيد المرسلين وكذلك إن كان ممن يعظ العامة، أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك- في قلوبهم.. فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم، ولحق شريعته.
وإن لم يكن القائل بهذه السبيل، فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب وحماية عرضه متعين، ونصرته على الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق، وفصلت به القضية، وبان به الأمر. سقط عن الباقي الفرض وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه، وعضد التحذير منه.. وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث «1» فكيف بمثل هذا.2:531
وقد سئل أبو محمد «1» بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى أيسعه ألا يؤدي شهادته قال: «إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد، وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك» .
- وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في هذا الباب، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد، لا ذاكرا ولا آثرا «2» لغير غرض شرعي بمباح، وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم، والتحذير من كفرهم، والوعيد عليه، والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه.
وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة.
وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا2:532
شبهها عليهم.. وإن كان ورد لأحمد بن «1» حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث «2» بن أسد. فقد صنع أحمد «1» مثله في رده على الجهمية «3» والقائلين بالمخلوق «4»
وهذه الوجوه السائغة الحكاية عنها.
- فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار «5» والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين ومضاحك المجان «6» ونوادر السخفاء، والخوض في قيل وقال وما لا يعني فكل هذا ممنوع، وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض.
فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد، أو معرفة بمقدار ما2:533
حكاه، أو لم تكن عادته، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو، ولم يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه، زجر عن ذلك ونهي عن العودة إليه. وإن قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له.
وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو.. كان الأدب أشد وقد حكي أن رجلا سأل مالكا «1» عمن يقول: القرآن مخلوق.. فقال مالك: كافر فاقتلوه.. فقال: إنما حكيته عن غيري.. فقال مالك: إنما سمعناه منك «2» .
وهذا من مالك رحمه الله على طريق الزجر «3» والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله، وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ونسبه إلى غيره، أو كانت تلك عادة له، أو ظهر استحسانه لذلك، أو كان مولعا بمثله والاستخفاف له، أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشعار هجوه صلى الله عليه وسلم وسبه، فحكم هذا حكم الساب نفسه.. يؤاخذ بقوله ولا تنفعه نسبته إلى غيره، فيبادر بقتله ويعجل إلى الهاوية أمه.2:534
وقد قال أبو عبيد «1» القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر.
وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم وكتابته وقراءته وتركه متى وجد دون محو، ورحم الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما كان هذا سبيله، وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة على نحو الوجوه الأول ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري عليه بذنبه.
وهذا أبو عبيد القاسم «1» بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه، فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه استبراء لدينه، وتحفظا من المشاركة في ذم أحد بروايته أو نشره. فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم!2:535
This is the Arabic text of Qāḍī ʿIyāḍ’s al-Shifāʾ bi-Taʿrīf Ḥuqūq al-Muṣṭafā as the OpenITI corpus has it, from Shamela’s copy of the edition of Dār al-Fayḥāʾ (Amman, 1407 AH), which leaves out the chains of transmission of the narrations. Nobody has compared it with the printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. The edition’s footnote numbers stand in the text without their footnotes, which the corpus removed, and the edition’s editors’ notes and its table of contents are left out. The pages of the printed edition are marked where they end. There is no translation yet.