انتقل إلى المحتوى
أحاديث مشروحة

كرامات الأولياء

٣٠ حديثًا

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهْطٍ عيْنًا سَرِيةً، وأمّر عليها عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهْط عيْنا سرية، وأمّر عليها عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأة؛ بين عُسْفان ومكة؛ ذكروا لِحَيٍ من هُذَيْل يقال لهم: بنو لحيَان، فنَفَروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصُّوا آثارهم، فلما أحسَّ بهم عاصم وأصحابه، لَجَأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا فأَعْطُوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا، فلا أَنْزل على ذِمَّة كافر: اللهم أخبِرْ عَنَّا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنّبْل فقتلوا عاصما، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خُبَيب، وزيد بن الدِّثِنَة ورجل آخر. فلما اسْتَمْكَنوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيِّهم، فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغَدْر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أُسْوة، يريد القتلى، فجرُّوه وعالَجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب، وزيد بن الدِّثِنِة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر؛ فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مُناف خُبيبا، وكان خُبيب هو قَتَل الحارث يوم بدر. فلبث خُبيب عندهم أسيرا حتى أجْمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستَحِدُّ بها فأعارته، فدَرَج بُنَيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدَتْه مُجْلِسه على فخذه والمُوسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خُبيب. فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك! قالت: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خُبيب، فوالله لقد وجدته يوما يأكل قِطْفا من عنب في يده وإنه لموثَق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لَرِزْق رَزَقه الله خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبيب: دعوني أصلِّي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جَزَع لزدتُ: اللهم أحْصِهم عددا، واقتلهم بِدَدَا، ولا تُبْقِ منهم أحدا. وقال: فلسْتُ أُبالي حين أُقتَل مسلما... على أي جنْب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأْ... يباركْ على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع. وكان خُبيب هو سَنَّ لكل مسلم قُتِل صْبرا الصلاة. وأخبر - يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قُريش إلى عاصم بن ثابت حين حُدِّثُوا أنه قُتل أن يُؤتوا بشيء منه يُعرف، وكان قتل رجلا من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظُلَّة من الدَّبْرِ فحَمَتْه من رُسُلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا.
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه رضي الله عنهم كرامة ظاهرة لجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم -وهم عشرة- جواسيس على العدو، ليأتوا بأخبارهم وأسرارهم، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلب هؤلاء الهذليون منهم أن ينزلوا بأمان، وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على عهد كافر؛ لأن الكافر قد خان الله عز وجل، ومن خان الله خان عباد الله، فرموهم بالسهام، فقتلوا عاصمًا وقتلوا ستة آخرين، وبقي منهم ثلاثة، وافقوا على النزول، فأخذهم الهذليون وربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم أبدًا، فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيباً رضي الله عنه أناسٌ من أهل مكة قد قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة للانتقام منه، وأبقوه عندهم أسيرًا، وفي يوم من الأيام اقترب صبي من أهل البيت إلى خبيب رضي الله عنه، فكأنه رق له ورحمه فأخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى ليستحد به، وأمّ الصبي غافلة عن ذلك، فلما انتبهت خافت أن يقتله لكنه رضي الله عنه، لما أحس أنها خافت قال: والله ما كنت لأذبحه، وكانت هذه المرأة تقول: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده عنقود عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله عز وجل كرامة لخبيب رضي الله عنه، أكرمه الله سبحانه وتعالى، فأنزل عليه عنقودا من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، ثم أجمع هؤلاء القوم -الذين قُتل والدهم على يد خبيب- أن يقتلوه، لكن لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، فلما خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، طلب منهم أن يصلي ركعتين، فلما انتهى منها قال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه خاف من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه رضي الله عنه صلى ركعتين فقط، ثم دعا عليهم رضي الله عنه بهذه الدعوات الثلاث: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا. فأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته. ثم أنشد هذا الشعر: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله فإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وأما عاصم بن ثابت الذي قتل رضي الله عنه، فقد سمع به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يُعرف به حتى يطمئنوا أنه قُتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئاً من أعضائه، أرسل الله سبحانه وتعالى عليه شيئاً مثل السحابة من النحل، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين. وهذا أيضاً من كرامة الله سبحانه وتعالى لعاصم رضي الله عنه، أن الله سبحانه وتعالى حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به.

الفوائد
  1. فضل هؤلاء الجماعة من الصحابة، وبيان صبرهم وشجاعتهم.
  2. كرامة خُبيب وعاصم رضي الله عنهما، وبيان مدى صبرهم على أذى المشركين، وحماية الله لعاصم بعد موته واستجابة دعاء خبيب.
  3. يحسن بالإمام أن يرسل جنوده لمعرفة أسرار العدو وكشف تحركاته.
  4. صلاة ركعتين عند الاستشهاد سنة، فعلها خُبيب وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم.
  5. يجوز للأسير أن لا يقبل الاستسلام وأن يرضى بالقتل.
  6. أن المشركين أهل غدر وخيانة.
  7. الوفاء بالعهد للمشركين، وتجنب قتل أولادهم.
  8. جواز الدعاء على المشركين بالتعميم.
  9. جواز إنشاد الشعر عند القتل.
  10. إثبات صفة الذات لله تعالى، كما ورد في شعر خُبيب.
  11. أن الله تعالى يبتلي عبده المسلم بما يشاء ليثيبه عليه.
معاني الكلمات
رهط
الرهط من الرجال ما كان أقل من العشرة.
سرية
مجموعة من الجيش يصل عدد أفرادها إلى 400 مقاتل تُبعث إلى العدو.
عسفان
موضع قرب مكة.
الهدأة
مكان بين عسفان ومكة.
نفروا لهم
خرجوا لقتالهم.
فاقتصوا
تبعوا آثارهم.
آثارهم
جمع أثر، وهو العلامة في الأرض من أثر المشي.
فأعطوا بأيديكم
يعني الدخول في الطاعة.
الذمة
العهد والضمان والأمان.
أوتار قسيهم
جمع وتر، مكان تعليق القوس.
عالجوه
صارعوه.
بدر
يعني غزوة بدر.
يستحد
يعني حلق الشعر المحيط بالفرج.
فدرج بني لها
مشى ابن لها.
قطفا
عنقودًا.
لموثق بالحديد
مربوط مشدود بالحديد.
جزع
خاف وحزن.
بددا
يعني النصيب، ومعناه: اقتلهم حصصا منقسمة، لكل واحد منهم نصيبه.
مصرعي
موتي.
أوصال
أعضاء.
شلو
القطعة من اللحم.
ممزع
مقطع.
الظلة
السحاب.
الدبر
النحل.
قتل صبرا
معناه: حبسوه حتى قتلوه.
استمكنوا منهم
قدروا عليهم.
في الحل
أي خرجوا خارج أرض الحرم.
عينًا
أي عينًا على العدو ليأتوا بأخباره وأسراره.
المراجع

-صحيح البخاري، تأليف: محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير الناصر، الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ. -كنوز رياض الصالحين, مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا, السعودية, الطبعة الأولى, 1430 هـ. -نزهة المتقين شرح رياض الصالحين, مصطفى سعيد الخن، مصطفى البغا، محي الدين مستو، علي الشربجي، محمد أمين لطفي, مؤسسة الرسالة, سنة النشر: 1407 – 1987, رقم الطبعة: 14. -شرح رياض الصالحين، تأليف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار الوطن للنشر، الطبعة: 1426 هـ. -بهجة الناظرين، تأليف: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي ، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م. -رياض الصالحين، للنووي، تحقيق : ماهر الفحل. دار ابن كثير - بيروت. الطبعة الأولى 1428ه - 2007م.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جرَيج، وكان جُريج رجلًا عابِدا، فاتخذ صَوْمَعَة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رَبِّ أُمِّي وصلاتي فأقبل على صلاته فانْصَرفت. فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فقالت: يا جُريج، فقال: أي رَبِّ أمِّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فقالت: يا جُريج، فقال: أي رَبِّ أمِّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسَاتِ. فتذاكر بَنُو إسرائيل جُريجا وعبادته، وكانت امرأة بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسنها، فقالت: إن شِئتم لأَفْتِنَنَّهُ، فتَعرَّضت له، فلم يَلتَفت إليها، فأتت راعِيا كان يَأوِي إلى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْه من نَفسِها فوقع عليها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فَأتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وهدَمُوا صَومَعتَه، وجَعَلوا يَضربونه، فقال: ما شَأنُكم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البَغِيِّ فولَدَت منك. قال: أين الصَّبي؟ فجاؤَوا به فقال: دَعوني حتى أُصلَّي، فصلَّى فلمَّا انْصرف أتى الصَّبي فَطَعن في بَطنه، وقال: يا غُلام مَنْ أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه ويَتمسَّحون به، وقالوا: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ من ذهب. قال: لا، أعِيدُوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبي يَرضع من أُمِّهِ فمرَّ رجل راكب على دابة فَارِهة وَشَارَةٍ حسَنَة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابْني مثل هذا، فَترك الثَّدْي وأقْبَلَ إليه فنَظَر إليه، فقال: اللَّهم لا تجعلني مثْلَه، ثم أقْبَلَ على ثَدْيه فجعل يَرتضع»، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَحكي ارتْضَاعه بِأصْبَعِهِ السَّبَّابَة في فِيه، فجعل يَمُصُّهَا، قال: «ومَرُّوا بجارية وهم يَضْرِبُونها، ويقولون: زَنَيْتِ سَرقت، وهي تقول: حَسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللَّهم لا تجعل ابني مِثلها، فترك الرَّضاع ونظر إليها، فقال: اللَّهم اجعلني مِثْلَها، فَهُنَالك تَرَاجَعَا الحديث، فقالت: مرَّ رجلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ ، فقلت: اللَّهم اجعل ابْنِي مِثْلَه، فقلت: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْله، ومَرُّوا بهذه الأَمَة وهم يَضربونها ويقولون: زَنَيْتِ سَرقت، فقلت: اللَّهم لا تجعل ابني مِثلها، فقلت: اللَّهم اجعلني مِثلها؟! قال: إن ذلك الرَّجُل كان جبَّارا، فقلت: اللَّهم لا تجعلني مِثْله، وإن هذه يقولون: زَنَيْتِ، ولم تَزْنِ وسَرقْتِ، ولم تَسْرِقْ، فقلت: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) والمراد في الأيام الأولى من طفولته، وهم: أولا: عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، وكان آية من آيات الله عز وجل وقد تكلم وهو في المهد. ثانيًا: صاحب جريج، وجريج رجل عابد، برأ الله جريجًا من هذه التهمة التي أرادوا إلصاقها به، وأظهر هذه الآية كرامة له، وهي أن ينطق الصبي ببراءته، وذلك أنه اتخذ مكان يخلو فيه للعبادة، فأتته أمه يومًا وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رَبِّ أُمِّي وصلاتي. تردد هل يقطع الصلاة ليجيب أمه أم يكمل صلاته، فأقبل على صلاته فذهبت أمه. فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر ما حصل بالأمس، فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر منه ذلك فقالت أمه: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسَاتِ أي الزانيات. فتذاكر بَنُو إسرائيل جُريجا وعبادته، وكانت امرأة زانية يُتَمَثَّلُ بحُسنها، فقالت: إن شِئتم لأغرينه حتى يدع صلاته ويقع في الزنى، فتَعرَّضت له، فلم يَلتَفت إليها، فأتت راعِيًا فَأَمْكَنَتْه من نَفسِها فزنى بها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فَأتَوْهُ وأنزلوه وهدَمُوا صَومَعتَه، وجَعَلوا يَضربونه، فقال: ما شَأنُكم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البَغِيِّ فولَدَت منك. قال: أين الصَّبي؟ فجاؤَوا به فقال: دَعوني حتى أُصلَّي، فصلَّى فلمَّا انْصرف أتى الصَّبي فَطَعن بأصبعه في بَطنه، وقال: يا غُلام مَنْ أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه ويَتمسَّحون به، وقالوا: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ من ذهب. قال: لا، أعِيدُوها من طين كما كانت، ففعلوا. ثالثًا: هذا الصبي الذي كان مع أمه يرضع، فمر رجل على فرس نفيسة وهيئته حسنة، وحكى النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص، تحقيقا للأمر، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فقال الطفل: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبلوا بجارية؛ امرأة مملوكة يضربونها ويقولون لها: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فأطلق الثدي، ونظر إليها، وقال: اللهم اجعلني مثلها. فتراجع الحديث مع أمه؛ طفل يتكلم معها، قالت: إني مررت أو مر بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت أنت: اللهم لا تجعلني مثله، فقال: نعم؛ هذا رجل كان جبارا عنيدا فسألت الله ألا يجعلني مثله. أما المرأة فإنهم يقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. أي اجعلني طاهرا من الزنى والسرقة مفوضا أمري إلى الله، في قولها: حسبي الله ونعم الوكيل.

الفوائد
  1. إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة وإجابه الأم وبرها واجب.
  2. عظم بِرِّ الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا؛ لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد.
  3. مَكْرُ أهل الباطل بالصالحين قديم؛ فبنوا إسرائيل تآمروا على جريج وحرضوا البغي عليه، فلما ظنوا أنهم أصابوا منه مقتلاً زعموا أنهم يأدبونه للإصلاح، ولو كانوا مصلحين لأقاموا الحد على هذه المرأة البغي.
  4. فيه دليل على صبر جريج، حيث إنه لم ينتقم لنفسه، ولم يكلفهم شططا فيبنون له صومعته من ذهب، وإنما رضي بما كان رضي به أولا من القناعة وأن تبنى من الطين.
  5. أن الوضوء كان معروفا في شرع من قبلنا، فقد ثبت في هذا الحديث في صحيح البخاري: (فتوضأ وصلى).
  6. الالتجاء إلى الله بالصلاة عند الكِرْب، وفي الحديث الآخر: (كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة).
  7. صاحب الصِّدق مع الله لا تَضُرُّه الفِتن.
  8. قوة يَقِين جُريج وصحة رجائه، لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق؛ ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنْطَقه.
  9. ثبوت الكرامة للصالحين من الرجال والنساء، وثبوت المعجزة للأنبياء.
  10. يجعل الله -تعالى- لأوليائه مخارجًا عند ابتلائهم بالشدائد غالبًا، قال الله -تعالى-: (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا) وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب.
معاني الكلمات
المهد
السرير يهيأ للصبي ويوطأ لينام فيه، والمراد في الأيام الأولى من الطفولة.
المُومِسَاتِ
الزَّواني.
صومعته
الصَوْمَعَة بيت العِبادة عند النصارى ومتَعَبَّد الناسك.
بَغِيٌّ
المرأة الفاجرة.
لأفتننه
الفتنة: الاختبار والابتلاء والإعجاب بالشيء.
اسْتَنْزَلُوهُ
أنْزَلُوه.
طَعَنَ في بَطْنِه
وخَزَه برأس أُصْبُعه في بطنه.
حَسْبِيَ الله
كافِيني الله.
دَابة فَارِهة
حَاذِقة نَفِيسَة.
الأَمَة
المرأة المملوكة، خلاف الحُرَّة.
الشَّارَةُ
الجَمَال الظاهر في الهيئة والمَلبس.
فِيه
فَمِه.
تَرَاجَعَا الحديث
حَدَّثت الصَّبي وحَدَّثها.
المراجع

كنوز رياض الصالحين، تأليف: حمد بن ناصر بن العمار، الناشر: دار كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى: 1430 هـ. بهجة الناظرين، تأليف: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي ، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م. نزهة المتقين، تأليف: جمعٌ من المشايخ، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى: 1397 هـ، الطبعة الرابعة عشر 1407 هـ. شرح رياض الصالحين، تأليف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار الوطن للنشر، الطبعة: 1426 هـ. رياض الصالحين، تأليف: محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: د. ماهر بن ياسين الفحل ، الطبعة: الأولى، 1428 هـ. دليل الفالحين، تأليف: محمد بن علان، الناشر: دار الكتاب العربي، نسخة الإلكترونية ، لا يوجد بها بيانات نشر. صحيح البخاري، تأليف: محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير الناصر، الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ. صحيح مسلم، تأليف: مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت. دروس وعبر من صحيح القصص النبوي، تأليف: شحاتة محمد صقر، الناشر: مكتبة دار العلوم، البحيرة، مصر.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتحُ مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان

عن البراء رضي الله عنه قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتحُ مكة فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبيةُ بئرٌ، فنَزَحْنَاها فلم نترك فيها قَطرةً، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأتاها، فجلس على شفيرها ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

قال البراء رضي الله عنه: أنتم ترون أن الفتح في قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} هو فتح مكة، والخطاب للتابعين، وأقرّ بأن فتح مكة كان فتحًا، ولكنهم معشر الصحابة يرون أن الفتح المقصود في الآية هو بيعة الرضوان في يوم الحديبية، وعدُّوها هي الفتح العظيم؛ لأنها كانت مقدَّمةً لفتح مكة، بل كانت سببًا لانتشار الإسلام، ودخول القبائل فيه، وكانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح من الأمن ورفع الحرب، وتمكن مَن يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كمل الفتح، كما كانت البيعة سببًا لرضوان الله عز وجل. والصحابة رضي الله عنهم شهدوا التنزيل فهم أعلم بالمراد والتفسير وأسباب النزول ممن جاء بعدهم. وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة وأربع عشر من الصحابة، والحديبية هي اسم بئر ثم عرف المكان كله بذلك، فأخذوا من مائها شيئًا فشيئًا حتى لم يتركوا فيها قطرة ماء، فعلِم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فجاء وجلس على طرف البئر، ثم أمر بإناء ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا الله عز وجل ثم صب الماء في البئر، فتركها الصحابة مدة ثم أخرجت لهم البئر ماءً كثيرًا، فشربوا منها وشرب إبلهم التي يسيرون عليها.

الفوائد
  1. فيه معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. الفتح المذكور في الآية هو بيعة الرضوان.
معاني الكلمات
نزحناها
أخذنا الماء الذي كان بها.
شفيرها
جانبها وحرفها.
أصدرتنا
صرفتنا رواء.
المراجع

صحيح البخاري (5/ 122) (4150)، النهاية في غريب الحديث والأثر (909) (484) (510)، فتح الباري لابن حجر (7/ 441)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (17/ 214)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (6/ 346).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

اجمعوا إليَّ من كان ههنا من يهود

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما فُتِحت خيبر أُهْدِيتْ للنبي صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سمٌّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا إليَّ مَن كان ههنا من يهود» فجُمِعُوا له، فقال: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيَّ عنه؟»، فقالوا: نعم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟»، قالوا: فلان، فقال: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، قالوا: صدقت، قال: «فهل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألت عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: «من أهل النار؟»، قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اخسؤوا فيها، والله لا نَخْلُفُكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟»، قالوا: نعم، قال: «ما حملكم على ذلك؟»، قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك.
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

لما فُتحت خيبر أهدت امرأة من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، وهي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، وأكثرت السم في الكتف والذراع لما بلغها أن ذلك أحب أعضاء الشاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك باتفاق وتواطؤ من قومها، فتناول عليه الصلاة والسلام الكتف فأكل منها لقمة وتوقف، فقال: إن الشاة تخبرني أنها مسمومة، فأمر بجمع كل من كان هناك من اليهود، فلما اجتمعوا قال لهم: إني سأسلكم عن شيء، فهل ستجيبوني بصدق عما أسألكم عنه؟ قالوا: نعم، فسألهم: من أبوهم؟ قالو: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فصدقوه، ثم سألهم هل ستصدقون في إجابتكم إن سألتكم عن شيء؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإذا كذبنا ستعلم كذبنا كما علمت في كذبنا على أبينا، فسألهم: من أهل النار؟ فقالوا: ندخل في النار زمنًا يسيرًا ثم تدخلونها أنتم بعدنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكنوا فيها سكون ذلة وهوان، والله لا تخرجون منها، ولا نقيم بعدكم فيها أبدًا، لأن من دخلها من عصاة المسلمين يخرج منها، وحينئذ فلا خلافة أصلًا، ثم سألهم مرة أخرى: هل ستصْدقون في إجابتكم إن سألتكم عن شيء؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فسألهم عن وضعهم سمًا في الشاة، فاعترفوا بفعلهم، فقال: ما السبب الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ قالوا: أردنا أن نقتلك ونستريح منك إن كنت كاذبًا، وأما إن كنت صادقًا، وكنت نبيًا فلن يضرك السم.

الفوائد
  1. السم لا يؤثر بذاته بل بإذن الرب جل جلاله، ألا ترى أن السم أثر في بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه، ولم يؤثر في النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيه في الحال.
  2. ما أظهر الله تعالى من معجزات النبى صلى الله عليه وسلم حيث كلمه الجماد، ولم يؤثر فيه السم، وعلم ما غيب عنه من السم.
  3. جواز أكل طعام من يحل أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله، وفيه حمل الأمور على السلامة حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة حتى يتبين خلافها.
  4. كذب اليهود وحسدهم وبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك افتراؤهم بالكذب في دخولهم النار.
معاني الكلمات
تخلفونا
تدخلون بعدنا.
اخسؤوا فيها
كلمة تقال للزجر، أي ابقوا فيها وأنتم صاغرون.
ما حملكم
ما الذي دفعكم لهذا الفعل؟
المراجع

صحيح البخاري (4/ 99-100) (3169)، النهاية في غريب الحديث والأثر (263)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (8/ 413)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (15/ 92)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (36/ 39).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

أن أم مالك كانت تُهدِي للنبي صلى الله عليه وسلم في عُكَّةٍ لها سمنًا

عن جابر أن أم مالك كانت تُهدِي للنبي صلى الله عليه وسلم في عُكَّةٍ لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأُدْمَ، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عَصَرْتِيْها؟» قالت: نعم، قال «لو تركتيها ما زال قائمًا».
رواه مسلمالدرجةصحيح
الشرح

كانت أم مالك بنت أُبيِّ الخزرجية رضي الله عنها تبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمنًا في وعاءٍ من جلدٍ يُحفظ فيه السمن، وأنها كان يجيئها أبناؤها ويسألونها الطعام والإدام، وليس عندهم طعام، فتقصد إلى الوعاء الذي كانت ترسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتجد فيه سمنًا، رزقًا من الله عز وجل، فما زال ذلك الوعاء يكفيها طعام بيتها، لا يحتاجون إلى أدم غيره، حتى عصرته واستخرجت ما فيه من السمن، فجاءت أم مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فسألها: هل عصرتيها؟ فأجابت أن نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: لو تركتي الوعاء ولم تعصريها لكانت تكفيكم طعامكم ولا تحتاجون إلى غيرها. وذلك ببركة النبي صلى الله عليه وسلم فيما لمسه، وسبب رفع النماء من ذلك عند العصر، والله أعلم، الحرص رغم كفاية نعم الله، وحصول كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه، لما أنزل عليهم المن والسلوى، وقيل لهم: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} [البقرة: 172].

الفوائد
  1. من فُتح له رزق، أو أكرم بكرامة، أو لطف به في أمر ما، فالمتعين عليه: موالاة الشكر، ورؤية المنة لله تعالى بأن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله، وكرمه، لا بحوله، ولا بقوته، ولا استحقاقه، ولا يحدث مغيرًا في تلك الحالة، ويتركها على حالها.
  2. علم من أعلام النبوة الباهرة، والمعجزة الظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم.
  3. جواز إهداء الهدية، واستحباب قبولها.
  4. جواز قبول الهدية من المرأة.
معاني الكلمات
عُكَّة
وعاء من جلد مستدير.
الأدم
-بالضم- ما يُؤكل مع الخبز؛ أي شيء كان.
تعمد
تقصد.
عصرته
خلطته وجعلت فيه إدامًا يؤكل.
مازال قائما
مازال الإدام في بيتك ثابتًا دائمًا.
المراجع

صحيح مسلم (4/ 1784) (2280)، النهاية في غريب الحديث والأثر (635) (30)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 54)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (37/ 212).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيتُ جوامع الكَلِم، ونُصرت بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ستًّا من الخصال التي امتاز بها على سائر الأنبياء، وهي: أولًا: أعطاه الله عز وجل جوامع الكلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتكلم بألفاظ يسيرة تحتوي على معان كثيرة، وثانيًا: نصره الله بأن يُقذف في قلوب أعدائه الرهبة والمهابة والخوف، وثالثًا: أُحِلَّت له أخذ الغنائم، بعد أن كانت محرَّمةً على الأمم السابقة، ورابعًا: جُعلت له الأرض كلُّها مسجدًا طهورًا، يستطيع أن يُصلى في أي موضع فيه، وكذلك كل مسلم من أمته، وخامسًا: أُرسل عليه الصلاة والسلام للناس جميعًا، وقد كان الأنبياء قبله يرسلون لقومهم فقط، وسادسًا: أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبيَّ بعده، وإذا نزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان يكون من أتباع نبينا صلى الله عليه وسلم.

الفوائد
  1. كون الأرض كلها مسجدًا وطهورًا.
  2. ما مَنَّ الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم بإعطائه جوامع الكلم.
  3. نصره صلى الله عليه وسلم بقذف المهابة والخوف والرعب في قلوب أعدائه، فلا يسمع أحد منهم به إلا امتلأ قلبه خوفًا وفزعًا.
  4. حِلُّ الغنائم له، ولأمته بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة.
  5. عموم رسالته صلى الله عليه وسلم لجميع الثقلين، بخلاف الأنبياء قبله، فكانوا يبعثون إلى قومهم.
  6. ما من الله عز وجل على هذه الأمة بختمه صلى الله عليه وسلم للنبوة، فلا نبي بعد.
معاني الكلمات
فُضِّلْتُ
خُصِصْتُ بهذه الخصال.
جوامع الكلم
الألفاظ اليسيرة ذات المعاني الكثيرة.
بالرعب
الخوف والفزع.
الغنائم
ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب.
كافة
عامة لجميع الناس.
المراجع

صحيح البخاري (9/ 36) (7013)، صحيح مسلم (1/ 371) (523)، النهاية في غريب الحديث والأثر (363) (164) (680)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (12/ 50)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 119).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا

عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدري محمدٌ إلا ما كتبتُ له. فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا: أنه ليس من الناس، فألقوه.
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

أخبر أنس رضي الله عنه أن رجلًا كان نصرانيًّا ثم أسلم في العهد النبوي، وحفظ سورة البقرة وسورة آل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وغيرَه، ثم ارتدَّ وعاد إلى النصرانية، وكان يقول للنصارى: لا يعلمُ محمدٌ إلا ما كتبتُ له، وهو كاذبٌ في ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه سلم حافظٌ لما أوحي له، سواءٌ كُتب أو لم يُكتب، والصحابة الذين حفظوه من فم النبي عليه الصلاة والسلام لن يحتاجوا الرجوع لما كتبه هذا الرجل، وكُتَّاب الوحي غيرُه كثيرٌ، فأماته الله، فدفنوه، ولما أصبحوا وجدوا أن الأرض قد طرحته ورمته من قبره إلى ظاهر الأرض؛ لتقوم الحجة على من رآه، وليعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي أخرجه هم محمد وأصحابه؛ لأنه هرب منهم، ثم حفروا له قبرًا وأعمقوا أي أبعدوا في باطن الأرض، فلما أصبحوا وجدوا أن الأرض قد أخرجته من القبر، فقالوا مثل ما قالوا، واتهموا النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة بإخراجه من القبر، فحفروا له مرة أخرى وأبعدوا في الحفر في باطن الأرض أقصى ما استطاعوا، ولما أصبحوا وجدوا أن الأرض قد طرحته ورمته من القبر كذلك للمرة الثالثة، فعلموا أن خروجه من القبر ليس من الناس بل من رب الناس، فرموه وتركوه. وإنما أظهر الله تعالى تلك الآية في هذا المرتد؛ ليوضح حجة نبيه صلى الله عليه وسلم للنصارى عيانًا، وليقيم لهم على ضلالة من خالف دينه برهانًا، وليزداد الذين آمنوا إيمانًا.

الفوائد
  1. ظهور معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ الأرض إياه مرات؛ لأنه لما ارتد عاقبه الله تعالى بذلك؛ لتقوم الحجة على من يراه ويدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. الهداية بيد الله تعالى، وليست الآيات والبراهين كافية إلا أن يشاء الله تعالى، فإن هذا الرجل قد شاهد من الآيات، وكتب الوحي، واطلع على محاسن الإسلام كلها، ومع ذلك أعرض؛ لأنه سبحانه وتعالى لم يرد أن يهديه للإسلام، قال تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.
  3. أن الله تعالى خلق الإرادة والقصد في نفوس المكلفين، وبيَّن لهم الهدى من الضلال، وإرادتهم لا تخرج عن إرادة الله تعالى وتقديره، وسيثيبهم ويعاقبهم على ما اختاروه من الهدى أو الضلال، فكل إنسان مسؤول عن فعله واختياره.
معاني الكلمات
قرأ البقرة
حفظها.
يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم
الوحي وغيره.
لفظته الأرض
قذفته ورمته.
نبشوا
فتحوا قبره.
ألقوه
رموه خارجه.
أعمقوا له في الأرض
أبعدوا الحفر في باطن الأرض.
المراجع

صحيح البخاري (4/ 202-203) (3617)، صحيح مسلم (4/ 2145) (2781)، النهاية في غريب الحديث والأثر (839)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 150)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (6/ 64)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (43/ 290).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

يا رسول الله، أحدٌ خيرٌ منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟

عن ابن مُحَيريز قال: قلت لأبي جمعة -رجل من الصحابة-: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، أحدثكم حديثًا جيِّدًا، تَغدَّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
رواه أحمدالدرجةصحيح
الشرح

ذكر الصحابي أبو جمعة أنه كان مع جماعة من الصحابة، وكان معهم أبو عُبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، فتغدَّوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أبو عبيدة: هل هناك أحدٌ خير منا نحن الصحابة؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، ولا يتيسر ذلك لغير الصحابي، فرد عليه الصلاة والسلام أن نعم، يأتي بعدكم قوم يؤمنون بي ولم يروني، وفيه فضل الذين يؤمنون به عليه الصلاة والسلام ولم يروه، وهذا تفضيل خاص، فلا يقال: إنه يأتي أحد بعد الصحابة خير من الصحابة، بل العلماء متفقون على أن أي فرد من أفراد الصحابة هو خير ممن جاء بعدهم فردًا فردًا، ففضل الصحبة لا يعدله شيء.

الفوائد
  1. فقه أسئلة الصحابة رضوان الله عليهم.
  2. فضل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يره.
  3. اتفاق العلماء على أفضلية الصحابة على غيرهم.
معاني الكلمات
تغدينا
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أكلة الغداء.
أحد خير منا
هل هناك أحد خير منا؟
المراجع

مسند أحمد (28/ 184) (16977)، شرح سنن أبي داود للعباد (520/ 33).

هذا الحديث في HadeethEnc.com
٨ من ٣٠
٣٠ حديثًا
  1. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهْطٍ عيْنًا سَرِيةً، وأمّر عليها عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه
  2. لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة
  3. تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتحُ مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان
  4. اجمعوا إليَّ من كان ههنا من يهود
  5. أن أم مالك كانت تُهدِي للنبي صلى الله عليه وسلم في عُكَّةٍ لها سمنًا
  6. فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ
  7. كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا
  8. يا رسول الله، أحدٌ خيرٌ منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟
  9. إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط
  10. قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به
  11. هَلَكَةُ أمتي على يدي غِلْمةٍ من قريش
  12. يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية،
  13. لَيبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين
  14. ناس من ‌أمتي عُرِضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ‌ثبج هذا البحر ملوكًا على الأَسِرَّة
  15. بُعثتُ بجوامع الكلم ونُصرتُ بالرعب
  16. هل لكم من أنماط؟
  17. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ
  18. أعاذك الله من إمارة السفهاء
  19. صنِّفْ تمرك كل شيء منه على حِدَتِه
  20. إذا فُتِحت عليكم فارس والروم أيُّ قومٍ أنتم؟
  21. أُرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فلما جاءه صكه
  22. إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني ‌لأعرفه الآن
  23. أُتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه
  24. لقد رأيتني في الحِجْر وقريش تسألني عن مَسْراي
  25. ألله الذي لا إله إلا هو إن كنت لَأَعتمد بكبدي على الأرض من الجوع
  26. كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا
  27. كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة
  28. خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم
  29. ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار
  30. إن في ثقيف كذابًا ومُبيرًا

كل حديث ودرجة وشرح وفائدة هنا معروض كما ينشره HadeethEnc.com تمامًا، وفق شروطه لإعادة النشر. والدرجة لا تذكر من حكم بها. والترجمات والشروح من عمل مؤلفيها، وبعضها يذكر أحكامًا؛ ولم يفحصها مراجعو سبيل. والحديث العربي هو النص. المصدر: HadeethEnc.com