انتقل إلى المحتوى
أحاديث مشروحة

قصص وأحوال الأمم السابقة

١٤ حديثًا

لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا

عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «غَزَا نَبِيٌّ مِن الأَنبِيَاء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال لقومه: لاَ يَتبَعَنِّي رجُل مَلَك بُضْعَ امرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبنِي بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أحَدٌ بَنَى بُيُوتًا لم يَرفَع سُقُوفَهَا، ولاَ أَحَدٌ اشتَرَى غَنَمًا أو خَلِفَات وهو يَنتظِرُ أَولاَدَها، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ القَريَةِ صَلاةَ العَصر أو قَرِيباً مِن ذلك، فَقَال للشَّمسِ: إِنَّك مَأمُورَة وأَنَا مَأمُور، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَينَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ الله عليه، فَجَمَع الغَنَائِم فَجَاءَت -يعني النار- لِتَأكُلَهَا فَلَم تَطعَمها، فقال: إِنَّ فِيكُم غُلُولاً، فَليُبَايعنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَة رجل، فَلَزِقَت يد رجل بِيَدِهِ فقال: فِيكُم الغُلُول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فَجَاؤوا بِرَأس مثل رأس بَقَرَةٍ من الذَّهَب، فَوَضَعَهَا فجاءت النَّارُ فَأَكَلَتهَا، فَلَم تَحِلَّ الغَنَائِم لأحَدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ الله لَنَا الغَنَائِم لَمَّا رَأَى ضَعفَنَا وَعَجزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- أنه غزا قومًا أُمِر بجهادهم، لكنه -عليه الصلاة والسلام- مَنَع كل إنسان عَقَد على امرأة ولم يَدخُل بها، وكل إنسان بنى بيتًا ولم يرفع سقفه، وكل إنسان اشترى غنمًا أو خَلِفَات وهو ينتظر أولادها، وذلك لأَنَّ هؤلاء يكونون مشغولين بما أهمهم، فالرجل المتزوج مشغول بزوجته التي لم يدخل بها، فهو في شوق إليها، وكذلك الرجل الذي رفع بيتًا ولم يُسَقِّفه، هو أيضا مشتغل بهذا البيت الذي يريد أن يسكنه هو وأهله، وكذلك صاحب الخلفات والغنم مشغول بها ينتظر أولادها. والجهاد ينبغي أن يكون الإنسان فيه مُتَفَرِّغًا، ليس له همٌّ إلا الجهاد، ثم إن هذا النبي غزا، فنَزَل بالقوم بعد صلاة العصر، وقد أَقْبَل اللَّيل، وخاف إن أظلَم اللَّيلُ أن لا يكون هناك انتصار، فجعل يخاطب الشمس يقول: أنت مأمورة وأنا مأمور، لكن أمر الشمس أمر كوني وأما أمره فأمر شرعي. فهو مأمور بالجهاد والشمس مأمورة أن تسير حيث أمرها الله عز وجل، قال الله: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم)، منذ خلقها الله عز وجل وهي سائرة حيث أمرت لا تتقدم ولا تتأخر ولا تنزل ولا ترتفع. قال: "اللهم فاحبسها عنا" فحبس الله الشمس ولم تغب في وقتها، حتى غزا هذا النبي وغنم غنائم كثيرة، ولما غنم الغنائم وكانت الغنائم في الأمم السابقة لا تحل للغزاة، بل حل الغنائم من خصائص هذه الأمة ولله الحمد، أما الأمم السابقة فكانوا يجمعون الغنائم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها إذا كان الله قد تقبلها، فجُمِعَت الغنائم فنزلت النار ولم تأكلها، فقال هذا النبي: فيكم الغلول. ثم أمر من كل قبيلة أن يتقدَّم واحد يبايعه على أنَّه لا غُلُول، فلمَّا بايعوه على أنَّه لا غلول لَزِقَت يد أحد منهم بيدِ النبي -عليه الصلاة والسلام-، فلمَّا لَزِقَت قال: فيكم الغلول -أي: هذه القبيلة- ثم أمر بأن يبايعه كل واحد على حدة من هذه القبيلة، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة منهم، فقال: فيكم الغلول: فجاؤوا به، فإذا هُم قد أخفوا مثل رأس الثور من الذهب، فلمَّا جيء به ووضع مع الغنائم أكلتها النار.

الفوائد
  1. الجهاد مشروع في الأمم السابقة، كما هو مشروع في هذه الأمة.
  2. نهي النبي قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال؛ لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة.
  3. مقصود النبي من توجيهاته تفرغ أصحابه من العوائق والأشغال ليقبلوا على الجهاد بنية صادقة وعزم حازم.
  4. كفاية المجاهدين أمور الدنيا ليتفرغوا للجهاد بصدق.
  5. تنوُّع الأمر إلى نوعين: أمر تكويني قدري وآخر تكليفي شرعي، فأمر الجمادات أمر تسخير وتكوين، أي قول النبي للشمس: احتبسي وانتظري، أي بتقدير الله، فهو مثل الدعاء لله بحصول هذا الشيء، وأمر العقلاء أمر تكليف، مثل قوله تعالى: (كتب عليكم القتال) (أطيعوا الله).
  6. ثبوت المعجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
  7. كان للغلول أثر في قبول الغنائم في الأمم السالفة من رَدِّها، فمتى وُجِد الغُلُول لم يقبلها الله سبحانه، ومتى لم يوجد قبُلِت، وأباح الله لهذ الأمة الغنائم بدون شرط.
  8. شهوات الدنيا تدعو النفس إلى محبة البقاء فيها.
  9. الأمور المهمة لا ينبغي أن تُفَوَّض سياستها إلا لحازم فارغ البال، ولذلك كان مقصود النبي تفرغهم من العوائق والأشغال ليقبلوا على الجهاد بنية صادقة وعزم حازم.
  10. سَتَر الله هذه الأمة ورحمها بخلاف الأمم السابقة، فقد كان من يفعل غلولا أو معصية يفضحه الله، فلله الحمد والمنة على الإسلام والسنة.
  11. ينبغي للإنسان إذا أراد طاعة أن يفرغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة وانشراح صدر.
  12. الدلالة على عظمة الله عز وجل، وأنه هو مدبر الكون، وأنه تعالى يجري الأمور على غير طبائعها، إما لتأييد الرسول، أو لدفع شر عنه، وإما لمصلحة في الإسلام.
  13. الحديث رد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن الأفلاك لا تتغير؟! .
  14. الأنبياء لا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.
  15. الدلالة على قدرة الله من جهة أن هذه النار لا يدرى كيف أوقدت، بل تنزل من السماء، لا هي من أشجار الأرض، ولا من حطب الأرض، بل من السماء يأمرها الله فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جمعت.
معاني الكلمات
نَبِي
وهو يوشع بن نون.
بُضْعَ
يطلق على عقد النكاح، والجماع، والفرج.
وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا
لم يدخل بها، وسبب التسمية بالبناء: أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها.
خَلِفَات
جمع خَلِفَة: وهي الناقة الحامل.
غُلُولاً
الغلول: الخِيَانة في المَغْنَم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة.
من القرية
وهي أريحاء.
لَم تَطعَمهَا
للمبالغة، والمعنى: لم تذق طعمها.
المراجع

بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، ط1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1415هـ. رياض الصالحين، للنووي، ط1، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1428هـ. رياض الصالحين، ط4، تحقيق: عصام هادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، دار الريان، بيروت، 1428هـ. كنوز رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، ط1، كنوز إشبيليا، الرياض، 1430هـ. شرح رياض الصالحين، للشيخ ابن عثيمين، دار الوطن للنشر، الرياض، 1426هـ. صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، 1422هـ. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين، ط14، مؤسسة الرسالة، 1407هـ.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر

عَنْ صُهَيْبٍ رَضيَ اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ، قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللهِ فَشَفَاهُ اللهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمِ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ".
رواه مسلمالدرجةصحيح
الشرح

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ملك فيمن كان قبلنا من الأمم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر، قال للملك: إني قد كبرت، فأرسل إلي شابًا أعلمه السحر. فبعث الملك إليه شابًا يعلمه، فكان في طريق الشاب إذا ذهب للساحر راهبٌ فقعد إليه مرة وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه لتأخره، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد منعت الناس من المضي، فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأمراض بإذن الله، فسمع جليس للملك كان قد فقد بصره، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال للغلام: كل ما هاهنا من الهدايا لك إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل. فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضعه في مفرق رأسه، فشقه به نصفين. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به نصفين. ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى رجال من أصحابه بين الثلاثة والعشرة. فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم أعلاه، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل. فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل وتحرك حركة شديدة فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في سفينة صغيرة، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه في البحر. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال الغلام للملك: إنك لا تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في أرض بارزة، وتصلبني على جذع شجرة، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في مقبض القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في مكان واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في وسط القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه بين عينه وأذنه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأُتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تخاف؟ قد والله نزل بك ما خفت وهو اتباع الناس للغلام وإيمانهم بربه أجمعون، فأمر بشق الأرض شقوقًا عظيمة مستطيلة في أبواب الطرق، وأوقد وأشعل النيران فيها، وقال: من لم يرجع عن دينه فاطرحوه فيها، ففعلوا ما أمرهم الملك به، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتوقفت ولزمت موضعها وكرهت الدخول في النار، فقال لها صبيها: يا أمه اصبري فإنك على الحق.

الفوائد
  1. إثبات كرامات الأولياء، ومن ذلك قتل الدابة العظيمة برمية الغلام، وإجابة دعاء الغلام مرتين، وكلام الطفل الرضيع.
  2. نصر من توكل على الله سبحانه.
  3. بيان شرف الصبر والثبات على الدين.
  4. الحكمة في التعلّم في أول العُمر؛ لأنَّ الشاب في الغالب أسرع حفظًا من الكبير.
  5. قُوَّة إيمان هذا الغلام، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول.
  6. الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه.
  7. الإنسان يجوز أن يُغَرِّر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهمًا من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول: باسم الله رب الغلام.
  8. جواز الكذب في الحرب ونحوها، وفي إنقاذ النفس من الهلاك.
  9. المؤمن يُختَبر في صدق إيمانه والثبات على قول الحق، وإن وصل به الأمر إلى إزهاق نفسه.
  10. التضحية في سبيل الدعوة إلى الله وإظهار الحق.
  11. قلوب العباد بيد الله فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، فقد اهتدى الغلام وهو في أحضان الساحر وعناية الملك العاثر.
  12. جواز سؤال الله تعالى أن يري العبد علامة يعرف بها الصواب ويحصل له اليقين.
  13. أهل الإيمان يسخرون كل ما أتاهم الله وتفضل به عليهم لخدمة دينه والدعوة إلى سبيله.
  14. أسباب الهلاك بيد الله، فإن شاء أنفذها وإن شاء قطعها.
  15. أهل الكفر لا تنقصهم الحجج والبراهين ليؤمنوا، وإنما سبب كفرهم هو العناد والكبر.
  16. الطواغيت والظالمون عندهم الاستعداد لقتل الناس جميعًا ليبقوا على ما هم فيه من نعيم الدنيا.
  17. الله يعاقب الذين ظلموا من حيث لم يحتسبوا، فقد آمن الناس برب الغلام عندما رأوا ثباته وصدق دعوته وعدم خشيته في الله لومة لائم.
  18. هناك من تكلم في المهد غير المسيح عليه السلام، وهذا الحديث يشرح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة..."، وذكرهم، وحصرهم في بني إسرائيل دون غيرهم.
المراجع

صحيح مسلم (4/ 2299) (3005). بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (1/ 86). تطريز رياض الصالحين، لفيصل آل مبارك (ص39). كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (1/ 412). شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (1/ 210). نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (1/ 62).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

مانهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأْتُوا منه ما استطعتم، فإنما أَهلَكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأْتُوا منه ما استطعتم، فإنما أَهلَكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

دلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا نهانا عن شيء وجب علينا اجتنابه بدون استثناء، وإذا أمرنا بشيء فعلينا أن نفعل منه ما نطيق. ثم حذرنا حتى لا نكون كبعض الأمم السابقة حينما أكثروا من الأسئلة على أنبيائهم مع مخالفتهم لهم فعاقبهم الله بأنواع من الهلاك والدمار، فينبغي أن لا نكون مثلهم حتى لا نهلك كما هلكوا.

الفوائد
  1. الأمر بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
  2. النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بالاستطاعة؛ لأن الترك مقدور والفعل يحتاج إلى قدرة على إيجاد الفعل المأمور به.
  3. النهي عن كثرة السؤال، قد قسم العلماء السؤال إلى قسمين: أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهذا مأمور به ومن هذا النوع أسئلة الصحابة. والثاني: ما كان على وجه التعنت والتكلف وهذا هو المنهي عنه.
  4. تحذير هذه الأمة من مخالفة نبيها، كما وقع في الأمم التي قبلها.
  5. المنهي عنه يشمل القليل والكثير، لأنه لا يتأتّى اجتنابه إلا باجتناب قليله وكثيره، فمثلاً: نهانا عن الرّبا فيشمل قليله وكثيره.
  6. ترك الأسباب المفضية إلى المحرم، لأن ذلك من معنى الاجتناب.
  7. الإنسان له استطاعة وقدرة، لقوله: "مَا استَطَعْتُمْ" فيكون فيه رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا استطاعة له، لأنه مجبر على عمله، حتى الإنسان إذا حرّك يده عند الكلام، فيقولون تحريك اليد ليس باستطاعته، بل مجبر، ولا ريب أن هذا قول باطل يترتب عليه مفاسد عظيمة.
  8. لا ينبغي للإنسان إذا سمع أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: هل هو واجب أم مستحبّ؟ لقوله: "فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعْتُمْ".
  9. ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أو نهى عنه فإنه شريعة، سواء كان ذلك في القرآن أم لم يكن، فُيعمل بالسنة الزائدة على القرآن أمراً أو نهياً.
  10. كثرة المسائل سبب للهلاك ولا سيّما في الأمور التي لا يمكن الوصول إليها مثل مسائل الغيب كأسماء الله وصفاته، وأحوال يوم القيامة، لاتكثر السؤال فيها فتهلك، وتكون متنطّعًا متعمّقًا.
  11. الأمم السابقة هلكوا بكثرة المسائل، وهلكوا بكثرة الاختلاف على أنبيائهم.
معاني الكلمات
نهيتكم
النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء.
فاجتنبوه
اتركوه.
من قبلكم
من الأمم السابقة.
واختلافهم
مخالفتهم.
مسائلهم
أسئلتهم.
المراجع

-التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية، مطبعة دار نشر الثقافة، الإسكندرية، الطبعة: الأولى، 1380 هـ. -شرح الأربعين النووية، للشيخ ابن عثيمين، دار الثريا للنشر. -فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين، دار ابن القيم، الدمام المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1424هـ/2003م. -الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية، للشيخ عبد الرحمن البراك، دار التوحيد للنشر، الرياض. -شرح الأربعين النووية، للشيخ صالح آل الشيخ، دار الحجاز، الطبعة: الثانية، 1433هـ. -الأربعون النووية وتتمتها رواية ودراية، للشيخ خالد الدبيخي، ط. مدار الوطن. -الجامع في شروح الأربعين النووية، للشيخ محمد يسري، ط. دار اليسر. -صحيح البخاري، نشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ. -صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون

عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، ويَتَولَّون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرَّعِيّة، وكلما ظهر فيهم فسادٌ بَعَث الله لهم نبيًا لهم يقيم أمرهم ويزيل ما غيّروا من أحكام. وإنه لا نبي بعدي فيَفْعَل ما كان أولئك يفعلون، وسيكون بعدي خلفاء فيَكْثرون ويحصل بينهم التنازع والخلاف. فسأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا؟ فقال: فإذا بُويع الخليفةُ بعد خَليفة؛ فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة ويَحْرُم عليه طلبُها، وأعطوهم حقّهم، وأطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة في غير المعصية، فإن الله يسألهم ويحاسبهم على ما يفعلونه بكم.

الفوائد
  1. أنه لا بد للرعية من نبي أو خليفة يقوم بأمرها، ويحملها على الطريق المستقيم.
  2. أنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
  3. التحذير من الخروج على من ثَبَتَتْ ولايته بطريقة شرعية.
  4. أنه لا يجوز عقد البيعة لخليفتين في آنٍ واحد.
  5. عِظَم مسؤولية الإمام، فإن الله تعالى سيسأله عن رعيته.
  6. قال ابن حجر: تقديم أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بتوفية حق السلطان لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة والشر؛ وتأخير أمر المطالبة بحقه لا يُسقِطه، وقد وعده الله أنه يُخَلِّصه ويُوَفِّيه إياه ولو في الدار الآخرة.
  7. علامة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد كثر الخلفاء بعده صلى الله عليه وسلم، وتوالى على الأمة المصلحون منهم والمسيؤون.
المراجع

صحيح البخاري (4/ 169) (3455). صحيح مسلم (3/ 1471) (1842). بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (1/ 707). نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (1/ 544).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

إن ثلاثة من بني إسرائيل: أَبْرَصَ وأَقْرَعَ وأَعْمَى، فأراد الله أن يَبْتَلِيَهم، فبعَث إليهم مَلَكًا

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول: "إنّ ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يَبْتَلِيَهم، فبعث إليهم ملَكًا، فأتى الأبرص؛ فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قَذِرَني النَّاس به. قال: فمسحه فذهب عنه قَذَرُه، فأُعْطِيَ لوناً حسناً وجلداً حسناً. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر -شك إسحاق-. فأُعْطي ناقة عُشَرَاءَ، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع؛ فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قَذِرَني الناس به. فمسحه فذهب عنه، وأُعْطِيَ شعراً حسناً. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأُعْطِيَ بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى؛ فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله إليَّ بصري فأبصر به الناس. فمسحه فردَّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنَم، فأُعْطِي شاة والدًا. فأُنْتِجَ هذان، ووَلَّد هذا، فكان لهذا وادٍ مِن الإبل، ولهذا وادٍ مِن البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحِبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أَتَبَلَّغُ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يَقْذَرُك الناس، فقيرًا فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابرٍ. فقال: إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرعَ في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، وردَّ عليه مثل ما ردَّ عليه هذا. فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحِبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاة أَتَبَلَّغُ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردَّ الله إليَّ بصري، فخُذْ ما شِئْت ودَعْ ما شِئْت، فوالله لا أَجْهَدُك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أَمْسِكْ مالك؛ فإنما ابتُلِيتُم؛ فقد رضِيَ الله عنك، وسَخِط على صاحبيك".
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

يُخْبِرُ صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة من بني إسرائيل أُصِيب كلٌّ منهم بعَاهَةٍ في الجسم، وفقر من المال، وهم: أبرص: به مرض ولون مختلف في جلده، وأقرع: ذهب شعر رأسه أو بعضه، وأعمى؛ فأراد الله أن يختبرهم ويمتحن إيمانهم وشكرهم؛ فأرسل إليهم ملكاً في صورة إنسان. فأتى الملك إلى الأبرص، وقدَّم الأبرص لأن داءه أقبح وأشنع وأعظم، فقال له: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، وأن يذهب عني الداء الذي قد تباعد عني الناس بسببه، ولم يقتصر على طلب اللون الحسن؛ لأن جلد البرص يحصل له من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعارِهِ. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال البقر. شك الراوي هل سمع الإبل أو البقر، والمرجح الإبل لكونه اقتصر عليها في قوله: فأعطي ناقة حاملًا أتى عليها من حملها عشرة أشهر من يوم أحملها، وهي من أنفس الإبل، وقال: بارك الله لك فيها. وقد استجيب دعاؤه كما في تتمة الحديث. قال: فأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا القرع الذي قد كرهني الناس بسببه. قال: فمسحه الملك، إما محل الداء فقط وهو الأقرب، أو جميع بدنه لتعمه بركته؛ فذهب عنه القرع وأعطى شعراً حسناً، قال الملك له: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملاً. وقال: بارك الله لك فيها. وقد استجيب دعاؤه كما في تتمة الحديث. قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري فأُبصربه الناس، قال: فأمرّ يده على عينيه، ويحتمل على جميع بدنه، والأول أقرب كما تقدم، فردّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة ذات ولد، وقيل حاملاً، فتولى صاحبا الإبل والبقر ولادتها، وكذلك صاحب الغنم. فكان لهذا واد مليءٌ من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إن الملك أتى الأبرص متصوراً في صورته التي كان عليها، وهيئته من رذالة الملبس ونحوها، فجاءه بعد أن صار معافى غنياً في الصورة التي قد جاءه فيها أول مرة، فقال: رجل مسكين محتاج، قد انقطعت بي الأسباب والوسائل في طلب الرزق في سفري؛ فلا وصول لي للمكان الذي أريده اليوم إلا بالله ثم بك لكونك مظهراً للخير غنيًّا، وهذا من الملك من المعاريض التي يقصد بها التوصل إلى إفهام المقصود من غير أن يراد حقيقتها. وقال: أقسم عليك مستعطفاً بـالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعد الابتلاء بالفقر والمرض بعيراً واحدًا أكتفي به في سفري. فقال الأبرص: الحقوق كثيرة عليَّ، فلا يوجد فاضل عن الحاجة لأعطيك إياه فانظر غيري. فقال الملك: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يكرهك الناس؛ فعافاك الله، فقيراً فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال عن أبي وجدي. وحاصله إنكار تلك الحال السيئة ودعوى أنه نشأ في تلك الأحوال الحسنة، فهي غير متجددة عليه، وهذا من إنكار النعم وكفر المنعم، حمله عليه البخل. فقال الملك: إن كنت كاذباً في دعواك فصيَّرك الله وردك إلى الحالة التي كنت عليها. قال: وأتى الأقرع في صورته التي يقذرها الناس وهيئته التي يحقرونها لرثاثتها، فإنه مع كونه أتى له في صورته وهيئته التي أتاه عليها أولاً وحصل له منه ما حصل من الشفاء والغنى أنكر معرفته وتجاهل به وتفاخر عليه بأنه إنما جاءه المال من أبيه، فضم إلى كذبه قبائح تنبىء عن أنه انتهى في اللؤم والحمق إلى غاية لم يصلها غيره. فقال له الملك مثل ما قال للأبرص وردّ الأقرع عليه مثل ما ردّ الأبرص. فقال الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت عليه من القرع والفقر. قال: وأتى الأعمى متشكلاً في صورة آدمي أعمى وفي هيئته الأولى، فقال الملك: رجل مسكين وابن سبيل -أي: مسافر- انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاةً أتبلغ -أي: أكتفي- بها في سفري. فقال ذلك الرجل متذكراً نعم الله تعالى عليه وحسن حاله بعد بؤسه: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري فخذ ما شئت من المال ودع ما شئت منه، فوالله لا أشق عليك اليوم في ردّ شيء أخذته، فقال الملك: أمسك مالك فإنما امتحنتم وعاملكم الله العالم بجميع الأمور معاملة المختبِر؛ ليترتب على عملكم أثره، إذ الجزاء إنما جعله الله مرتباً على ما يبدو في عالم الشهادة لا على ما سبق في علمه، فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك الأبرص والأقرع.

الفوائد
  1. وجوب شكر نعمة الله -تعالى- في المال وأداء حق الله -عز وجل- فيه.
  2. أن الله -سبحانه- يختبر عباده بالنعم، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
  3. تحريم كفر النعمة ومنع حق الله -تعالى- في المال.
  4. جواز ذكر حال من مضى من الأمم؛ ليتعظ به من سمعه.
  5. مشروعية قول: بالله ثم بك، فيكون العطف ب (ثم) لا بالواو في مثل هذا التعبير.
  6. إثبات معجزة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الإخبار بمثل هذه القصص.
  7. نسبة النعمة إلى الله شكر لها وسبب لبقائها، ونسبتها لغيره كفر بها وسبب لزوالها.
  8. إثبات المشيئة للمخلوق ولكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته.
  9. إثبات صفة الرضا لله -تعالى-.
  10. إثبات صفة السخط لله -تعالى-.
معاني الكلمات
بني إسرائيل
هم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل -عليهم السلام-، أي من يرجع نسبه إليه، وإسرائيل لقب يعقوب -عليه السلام-.
أبرص
البرص مرض مُعْدٍ مزمن يظهر على شكل بُقَع بيضاء في الجسد، يؤذي الجهاز العصبيّ، أو هو مرض يُحْدِث في الجسم قِشْرًا أبيض، ويُسَبِّب حَكًّا مؤلمـًا.
أقرع
هو من زال شعر رأسه أو بعضه، ويُطْلَق عليه أيضا الأَصلع.
أن يبتليهم
يَخْتَبِرهم بنعمته.
قذرني الناس
كره الناس بسببه رؤياي والقرب مني.
فذهب عنه قذره
أي: شُفِيَ من برصه.
عُشَراء
الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية.
والداً
ذات ولد في بطنها أو التي عُرف منها كثرة الولد والنِّتَاج.
أَنْتج
تولَّى صاحب النَّاقَة وصاحب البقرة نتاجهما وتوليدهما وإصلاحهما.
انقطعت بي الحِبال
الأسباب التي أطلب بها الرزق.
أتبلغ به
أتوصّل به إلى البلد الذي أريده.
كابراً عن كابر
وَرِثْتُه من أبي وأجدادي.
بلاغ
كفاية أتوصّل بها إلى البلد الذي أريده.
صيرك الله إلى ما كنت
ردَّك إلى حالك الأولى برجوع العاهة إليك.
ملكًا
واحد الملائكة، وهم عالم غيبي، خلقهم الله من نور، وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون، ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لهم أشكال وأعمال ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة.
في صورته وهيئته
الصورة في الجسم، والهيئة في الشّكل واللباس، وهذا هو الفرق بينهما.
ابن السبيل
أي: مسافر، سمي بذلك لملازمته للطريق.
لا أجهدك
أي لا أشق عليك في رد ما أخذت.
المراجع

صحيح البخاري، المحقق : محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى 1422هـ. صحيح مسلم بن الحجاج، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت. القول المفيد على كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن صالح العثيمين دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، محرم 1424هـ. الملخص في شرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح الفوزان دار العاصمة الرياض، الطبعة: الأولى 1422هـ- 2001م. الجديد في شرح كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد العزيز القرعاوي، مكتبة السوادي، جدة، المملكة العربية. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد علي بن محمد بن علان، ط4، اعتنى بها: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425 هـ.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

انطلقَ ثلاثةُ نَفَرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبِيتُ إلى غَارٍ فدخلوه، فانحدَرَتْ صخرةٌ من الجبل فسَدَّتْ عليهم الغار

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجل منهم: اللهُمَّ كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لاَ أَغْبِقُ قبلهما أهلا، ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أَرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبُوقَهُمَا فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأَنْ أغْبِقَ قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت -والقدح على يدي- أنتظر استيقاظهما حتى بَرِقَ الفَجْرُ والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْن عند قدمي، فاستيقظا فشربا غَبُوقَهُما، اللَّهُمَّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فَفَرِّجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه. قال الآخر: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانت لي ابنة عم، كانت أحب الناس إليَّ -وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء- فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أنْ تُخَلِّيَ بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها -وفي رواية: فلما قعدت بين رجليها- قالتْ: اتَّقِ اللهَ ولاَ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليَّ وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهُمَّ إنْ كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافْرُجْ عَنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللَّهُمَّ استأجرت أُجَرَاءَ وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فَثمَّرْتُ أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أدِّ إِلَيَّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تَسْتَهْزِىءْ بي! فقلت: لاَ أسْتَهْزِئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، الَلهُمَّ إنْ كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافْرُجْ عَنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

انطلق ثلاثة رجال، فدفعهم طلب البيات إلى أن يلجأوا إلى الكهف، فانحدَرَتْ صخرةٌ من الجبل فسَدَّتْ عليهم الكهف، ولم يستطيعوا أن يزحزحوها؛ لأنها صخرة كبيرة، فرأوا أن يتوسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم. أما الأول فذكر أن له أبوين شيخين كبيرين وكان له غنم، فكان يسرح فيها ثم يرجع في آخر النهار، ويحلب الغنم، ويعطي أبويه- الشيخين الكبيرين- ثم يعطي بقية أهله وماله، فيقول: بعد بي طلب الشجر الذي يرعاه. فرجع، فوجد أبويه قد ناما، فنظر، هل يسقي أهله وماله قبل أبويه، أو ينتظر حتى برق الفجر، فاختار أن ينتظر حتى يطلع الفجر -وهو ينتظر استيقاظ أبويه-، فلما استيقظا وشربا اللبن سقى أهله وماله، ثم قال: اللهم إن كنت مخلصاً في عملي هذا- فعلته من أجلك- فافرج عنا ما نحن فيه، انفرجت الصخرة، لكن انفراجًا لا يستطيعون الخروج منه. أما الثاني: فتوسل إلى الله عز وجل بالعفة التامة، وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حبًّا شديدًا كأشد ما يحب الرجال النساء "فأرادها على نفسها"، أي أرادها- والعياذ بالله- بالزنا؛ ليزني بها، ولكنها لم توافق وأبت، ثم أصابها فقر وحاجة فاضطرت إلى أن تجود بنفسها في الزنا من أجل الضرورة، وهذا لا يجوز، ولكن على كل حال، هذا الذي حصل، فجاءت إليه، فأعطاها مائة وعشرين دينارا من أجل أن تمكنه من نفسها، ففعلت من أجل الحاجة والضرورة، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته على أنه يريد أن يفعل بها، قالت له هذه الكلمة العجيبة العظيمة: "اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه"، فقام عنها وهي أحب الناس إليه، لكن أدركه خوف الله عز وجل وترك لها الذهب الذي أعطاها، ثم قال: "اللهم إن كنت فعلت هذا لأجلك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، إلا أنهم لا يستطيعون الخروج". وأما الثالث: فتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأمانة والإصلاح والإخلاص في العمل، فإنه يذكر أنه استأجر أجراء على عمل من الأعمال، فأعطاهم أجورهم، إلا رجلًا واحدًا ترك أجره فلم يأخذه، فقام هذا المستأجر فثمر المال، فصار يتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك، حتى نما وصار منه إبل وبقر وغنم ورقيق وأموال عظيمة. فجاءه بعد حين، فقال له: يا عبد الله أعطني أجري، فقال له: كل ما ترى فهو لك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: لا تستهزئ بي، الأجرة التي لي عندك قليلة، كيف لي كل ما أرى من الإبل والبقر والغنم والرقيق؟ لا تستهزيء بي. فقال: هو لك، فأخذه واستاقه كله ولم يترك له شيئًا، ثم قال: "اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وانفتح الباب، فخرجوا يمشون"؛ لأنهم توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم التي فعلوها إخلاصاً لله عز وجل .

الفوائد
  1. استحباب الدعاء وقت الكرب وغيره، والتوسل إلى الله -تعالى- بصالح العمل.
  2. فضيلة بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الولد والزوجة.
  3. الحض على العفاف عن المحرمات، ولا سيما بعد القدرة عليها، وترك ذلك لله -تعالى- خالصًا.
  4. فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.
  5. استجابة دعاء من توجه إلى الله -تعالى- بصدق وإخلاص في الشدائد، ولا سيما من سبق له عمل صالح.
  6. إثبات كرامات أولياء الله الصالحين.
معاني الكلمات
نفر
ما بين الثلاثة إلى العشرة.
آواهم المبيت إلى غار
أي دفعهم طلب البيات إلى أن يلجأوا إلى الغار.والغار: الكهف.
لا أغبق
الغَبوق: شرب اللبن وقت العشاء.
فنأى بي طلب الشجر
نأى: بعد، والمراد: أنه بعد به طلب الشجر لغنمه عن المكان الذي اعتاده.
فلم أُرِح عليهما
فلم أرجع إليهما.
القَدَح
إِنَاء يشرب بِهِ المَاء ونَحْوه.
برق الفجر
طلع وظهر.
يتضاغَون
يصيحون ويستغيثون من الجوع.
ابتغاء وجهك
طلبا لرضاك بإخلاص وتجرد.
ففرج
دعاء من التفريج؛ أي: افتح.
فأردتها
كناية عن طلب الجماع، والمراد الزنا.
ألمت
نزلت.
السنة
الجدب والفقر.
قدرت عليها
تمكنت من الوقاع بها من غير معارض.
لا تفض
الفض: الكسر والفتح.
الخاتم
كناية عن البكارة.
إلا بحقه
بزواج مشروع.
فثمرت أجره
كثرت أجره بتنميته حتى أصبح مالا كثيرا.
أغبق أهلا
أسقيهم الغبوق.
ولا مالا
أي: من رقيق وخدم.ويُحتمل المال: الإبل، يعني: يُرضع صغارها من أمهاتها.
المراجع

نزهة المتقين شرح رياض الصالحين،، مصطفى الخن والبغا ومستو والشربجي ومحمد أمين، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الرابعة عشر، 1407هـ - 1987م. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، لابن علان، نشر دار الكتاب العربي. شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، نشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: 1426هـ. كنوز رياض الصالحين، تأليف حمد العمار، نشر: دار كنوز إشبيليا، الطبعة: الأولى، 1430هـ - 2009م. بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، للهلالي، نشر: دار ابن الجوزي. المعجم الوسيط، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية. صحيح البخاري، نشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جرَيج، وكان جُريج رجلًا عابِدا، فاتخذ صَوْمَعَة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رَبِّ أُمِّي وصلاتي فأقبل على صلاته فانْصَرفت. فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فقالت: يا جُريج، فقال: أي رَبِّ أمِّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فقالت: يا جُريج، فقال: أي رَبِّ أمِّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسَاتِ. فتذاكر بَنُو إسرائيل جُريجا وعبادته، وكانت امرأة بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسنها، فقالت: إن شِئتم لأَفْتِنَنَّهُ، فتَعرَّضت له، فلم يَلتَفت إليها، فأتت راعِيا كان يَأوِي إلى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْه من نَفسِها فوقع عليها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فَأتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وهدَمُوا صَومَعتَه، وجَعَلوا يَضربونه، فقال: ما شَأنُكم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البَغِيِّ فولَدَت منك. قال: أين الصَّبي؟ فجاؤَوا به فقال: دَعوني حتى أُصلَّي، فصلَّى فلمَّا انْصرف أتى الصَّبي فَطَعن في بَطنه، وقال: يا غُلام مَنْ أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه ويَتمسَّحون به، وقالوا: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ من ذهب. قال: لا، أعِيدُوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبي يَرضع من أُمِّهِ فمرَّ رجل راكب على دابة فَارِهة وَشَارَةٍ حسَنَة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابْني مثل هذا، فَترك الثَّدْي وأقْبَلَ إليه فنَظَر إليه، فقال: اللَّهم لا تجعلني مثْلَه، ثم أقْبَلَ على ثَدْيه فجعل يَرتضع»، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَحكي ارتْضَاعه بِأصْبَعِهِ السَّبَّابَة في فِيه، فجعل يَمُصُّهَا، قال: «ومَرُّوا بجارية وهم يَضْرِبُونها، ويقولون: زَنَيْتِ سَرقت، وهي تقول: حَسبي الله ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللَّهم لا تجعل ابني مِثلها، فترك الرَّضاع ونظر إليها، فقال: اللَّهم اجعلني مِثْلَها، فَهُنَالك تَرَاجَعَا الحديث، فقالت: مرَّ رجلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ ، فقلت: اللَّهم اجعل ابْنِي مِثْلَه، فقلت: اللَّهم لا تَجْعَلْنِي مِثْله، ومَرُّوا بهذه الأَمَة وهم يَضربونها ويقولون: زَنَيْتِ سَرقت، فقلت: اللَّهم لا تجعل ابني مِثلها، فقلت: اللَّهم اجعلني مِثلها؟! قال: إن ذلك الرَّجُل كان جبَّارا، فقلت: اللَّهم لا تجعلني مِثْله، وإن هذه يقولون: زَنَيْتِ، ولم تَزْنِ وسَرقْتِ، ولم تَسْرِقْ، فقلت: اللَّهم اجْعَلْنِي مِثْلَهَا».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) والمراد في الأيام الأولى من طفولته، وهم: أولا: عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، وكان آية من آيات الله عز وجل وقد تكلم وهو في المهد. ثانيًا: صاحب جريج، وجريج رجل عابد، برأ الله جريجًا من هذه التهمة التي أرادوا إلصاقها به، وأظهر هذه الآية كرامة له، وهي أن ينطق الصبي ببراءته، وذلك أنه اتخذ مكان يخلو فيه للعبادة، فأتته أمه يومًا وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رَبِّ أُمِّي وصلاتي. تردد هل يقطع الصلاة ليجيب أمه أم يكمل صلاته، فأقبل على صلاته فذهبت أمه. فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر ما حصل بالأمس، فلمَّا كان من الغَدِ أتَتْهُ وهو يصلي، فتكرر منه ذلك فقالت أمه: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حتى يَنظر إلى وجوه المُومِسَاتِ أي الزانيات. فتذاكر بَنُو إسرائيل جُريجا وعبادته، وكانت امرأة زانية يُتَمَثَّلُ بحُسنها، فقالت: إن شِئتم لأغرينه حتى يدع صلاته ويقع في الزنى، فتَعرَّضت له، فلم يَلتَفت إليها، فأتت راعِيًا فَأَمْكَنَتْه من نَفسِها فزنى بها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فَأتَوْهُ وأنزلوه وهدَمُوا صَومَعتَه، وجَعَلوا يَضربونه، فقال: ما شَأنُكم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البَغِيِّ فولَدَت منك. قال: أين الصَّبي؟ فجاؤَوا به فقال: دَعوني حتى أُصلَّي، فصلَّى فلمَّا انْصرف أتى الصَّبي فَطَعن بأصبعه في بَطنه، وقال: يا غُلام مَنْ أبوك؟ قال: فلانٌ الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه ويَتمسَّحون به، وقالوا: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ من ذهب. قال: لا، أعِيدُوها من طين كما كانت، ففعلوا. ثالثًا: هذا الصبي الذي كان مع أمه يرضع، فمر رجل على فرس نفيسة وهيئته حسنة، وحكى النبي صلى الله عليه وسلم ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص، تحقيقا للأمر، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فقال الطفل: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبلوا بجارية؛ امرأة مملوكة يضربونها ويقولون لها: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فأطلق الثدي، ونظر إليها، وقال: اللهم اجعلني مثلها. فتراجع الحديث مع أمه؛ طفل يتكلم معها، قالت: إني مررت أو مر بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت أنت: اللهم لا تجعلني مثله، فقال: نعم؛ هذا رجل كان جبارا عنيدا فسألت الله ألا يجعلني مثله. أما المرأة فإنهم يقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. أي اجعلني طاهرا من الزنى والسرقة مفوضا أمري إلى الله، في قولها: حسبي الله ونعم الوكيل.

الفوائد
  1. إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة وإجابه الأم وبرها واجب.
  2. عظم بِرِّ الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا؛ لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد.
  3. مَكْرُ أهل الباطل بالصالحين قديم؛ فبنوا إسرائيل تآمروا على جريج وحرضوا البغي عليه، فلما ظنوا أنهم أصابوا منه مقتلاً زعموا أنهم يأدبونه للإصلاح، ولو كانوا مصلحين لأقاموا الحد على هذه المرأة البغي.
  4. فيه دليل على صبر جريج، حيث إنه لم ينتقم لنفسه، ولم يكلفهم شططا فيبنون له صومعته من ذهب، وإنما رضي بما كان رضي به أولا من القناعة وأن تبنى من الطين.
  5. أن الوضوء كان معروفا في شرع من قبلنا، فقد ثبت في هذا الحديث في صحيح البخاري: (فتوضأ وصلى).
  6. الالتجاء إلى الله بالصلاة عند الكِرْب، وفي الحديث الآخر: (كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة).
  7. صاحب الصِّدق مع الله لا تَضُرُّه الفِتن.
  8. قوة يَقِين جُريج وصحة رجائه، لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق؛ ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنْطَقه.
  9. ثبوت الكرامة للصالحين من الرجال والنساء، وثبوت المعجزة للأنبياء.
  10. يجعل الله -تعالى- لأوليائه مخارجًا عند ابتلائهم بالشدائد غالبًا، قال الله -تعالى-: (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا) وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب.
معاني الكلمات
المهد
السرير يهيأ للصبي ويوطأ لينام فيه، والمراد في الأيام الأولى من الطفولة.
المُومِسَاتِ
الزَّواني.
صومعته
الصَوْمَعَة بيت العِبادة عند النصارى ومتَعَبَّد الناسك.
بَغِيٌّ
المرأة الفاجرة.
لأفتننه
الفتنة: الاختبار والابتلاء والإعجاب بالشيء.
اسْتَنْزَلُوهُ
أنْزَلُوه.
طَعَنَ في بَطْنِه
وخَزَه برأس أُصْبُعه في بطنه.
حَسْبِيَ الله
كافِيني الله.
دَابة فَارِهة
حَاذِقة نَفِيسَة.
الأَمَة
المرأة المملوكة، خلاف الحُرَّة.
الشَّارَةُ
الجَمَال الظاهر في الهيئة والمَلبس.
فِيه
فَمِه.
تَرَاجَعَا الحديث
حَدَّثت الصَّبي وحَدَّثها.
المراجع

كنوز رياض الصالحين، تأليف: حمد بن ناصر بن العمار، الناشر: دار كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى: 1430 هـ. بهجة الناظرين، تأليف: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي ، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م. نزهة المتقين، تأليف: جمعٌ من المشايخ، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى: 1397 هـ، الطبعة الرابعة عشر 1407 هـ. شرح رياض الصالحين، تأليف: محمد بن صالح العثيمين، الناشر: دار الوطن للنشر، الطبعة: 1426 هـ. رياض الصالحين، تأليف: محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: د. ماهر بن ياسين الفحل ، الطبعة: الأولى، 1428 هـ. دليل الفالحين، تأليف: محمد بن علان، الناشر: دار الكتاب العربي، نسخة الإلكترونية ، لا يوجد بها بيانات نشر. صحيح البخاري، تأليف: محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير الناصر، الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ. صحيح مسلم، تأليف: مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت. دروس وعبر من صحيح القصص النبوي، تأليف: شحاتة محمد صقر، الناشر: مكتبة دار العلوم، البحيرة، مصر.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دَوْحَة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جِرَابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مِرارا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يُضَيِّعُنَا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدَّعَوَات، فرفع يديه فقال: {رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يشكرون} [إبراهيم: 37]. وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقَاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يَتَلَبَّطُ- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. فَهَبَطَتْ من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَفَ دِرْعِهَا، ثم سعَت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صَهْ -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعَتْ، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غَوَاث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِفُ من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تَغْرِفُ. وفي رواية: بقدر ما تَغْرِفُ. قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تَغْرِفُ من الماء - لكانت زمزم عَيْنًا مَعِينًا» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعَةَ فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كَالرَّابِيَةِ، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُم، أو أهل بيت من جُرْهُم مقبلين من طريق كَدَاءَ، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرا عائِفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم؛ فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فَألْفَى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس» فنزلوا، فأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات، وشَبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شَبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم: وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل؛ فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا - وفي رواية: يصيد لنا - ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة؛ وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جَهْد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عَتَبَةَ بابك، قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك! الْحَقِي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. وفي رواية: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد؛ فقالت امرأته: ألا تنزل، فتطعم وتشرب؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم: بركة دعوة إبراهيم. قال: فإذا جاء زوجك فَاقْرَئِي عليه السلام مُرِيِهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العَتَبة، أمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلًا له تحت دَوْحَةٍ قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك؟ قال: وَتُعِينُنِي، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا، وأشار إلى أكَمَة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {ربنا تَقَبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. وفي رواية: إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، معهم شَنَّةٌ فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشَّنَّة فَيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعها تحت دَوْحَة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كَدَاءَ نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، فرجعتْ وجعلتْ تشرب من الشَّنَّة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدا، فلم تحس أحدا، فلما بلغت الوادي سعت، وأتت المروة، وفعلت ذلك أشواطا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله، كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تُقِرَّهَا نفسها فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أَغِثْ إنْ كان عندك خير، فإذا جبريل فقال بِعقِبِهِ هكذا، وغمز بِعقِبِهِ على الأرض، فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تَحْفِنُ ... وذكر الحديث بطوله".
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل هاجر القبطية -التي وهبها ملك مصر لزوجته سارة- وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند الكعبة، عند شجرة كبيرة ثابتة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد من الإِنس، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما وعاء من جلد فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ولّى منطلقًا إلى الشام، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء مما يؤكل ويشرب؟ فقالت له ذلك مرارًا، ولا يلتفت إليها، وانصرف إلى طريقه، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت إلى ابنها؛ فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة عند الحجون حيث لا يرونه استقبل بوجهه موضع البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال: (رب إني أسكنت من ذريتي) بعضهم (بواد غير ذي زرع) وهو مكة، وكونها كذلك ليتم التفرغ فيها للعبادة، (عند بيتك المحرم) الذي حرم عنده الصيد وقطع الشجر والمقاتلة (ربنا ليقيموا الصلاة) بمكة (فاجعل أفئدة من الناس) أي: قلوبهم (تهوي) أي: تسرع (إليهم) شوقاً (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) نعمتك، وقد استجاب الله دعاءه. وجعلت أم إسماعيل ترضعه، وتشرب من ذلك الماء، وتأكل من ذلك الثمر؛ حتى إذا نفد وانتهى ما في السقاء من الماء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو يتمرّغ ويضرب بنفسه الأرض فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو كذلك، فوجدت الصفا أقرب جبل إليها في الأرض؛ فقامت عليه، ثم استقبلت مكة تنظر هل ترى أحداً؟ فلما بلغت الوادي المسيل وفيه انخفاض امتنع به رؤيتها لولدها فخافت عليه فأسرعت وسعت سعي الذي أصابته المشقة، وأتت المروة أي: بعد تركها السعي وعودها لعادتها قبل وصولها الوادي، فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت لنفسها: اسكتي، تريد من نفسها الإنصات، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت فاغثني. فإذا هي بالملك جبريل عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أي مؤخر قدمه، -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تجعله مثل الحوض، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو ينبع بشدة بعد ما تغرف -وفي رواية: بقدر ما تغرف- قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا. يعني جاريًا على ظاهر الأرض. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الهلاك؛ فإن هاهنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله؛ فلا تغرقه السيول، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من قبيلة جُرْهم، مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة؛ فرأوا طائرًا يحوم في الجو، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا رسولًا أو رسولين يستطلعان، فإذا هم بالماء فرجعا فأخبروهم فأقبلوا، وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لاحق لكم في الماء. أي: بل الحق فيه مختص بي، فإن شئت منحت وإن شئت منعت. قالوا: نعم، فوافق ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس وتكره الوحشة. فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فجاءوا فنزلوا معهم؛ حتى اجتمعوا وكثروا وشبّ إسماعيل، وتعلم العربية منهم، و كثرت رغبتهم فيه، وأعجبهم حتى كبر ونشأ، فلما بلغ الحُلم زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يتفقد حال ما تركه؛ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه أين هو؟ فقالت: خرج يطلب لنا رزقًا بالصيد، ثم سألها عن عيشهم من الطعام والشراب وعن حالتهم؟ فقالت: نحن بِشرٍّ، وفي ضيق من المعاش وشدة منه، وشكت إليه. فلما رأى مزيد التبرم وشدة الضجر مما ابتلاها الله تعالى به زيادة في الدرجات خشي أن يسري حالها إلى ولده فيقع في مثل حالها فأمره بفراقها، فقال إبراهيم: فإذا جاء زوجك أبلغيه سلامي، وقولي له يغير عتبة بابه. كناية عن طلاق امرأته؛ لأن المرأة تلازم البيت كملازمة العتبة للبيت، فلما جاء إسماعيل من صيده كأنه أحس شيئاً؛ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ موصوف بكذا؛ فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في مشقة وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاكِ أبي وقد أمرني بتغيير عتبة الباب: أن أفارقك، الحقي بأهلك. وهو من كنايات الطلاق، لكنه صرح به بقوله فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجد إسماعيل؛ فدخل على امرأته؛ فسأل عنه. قالت: خرج يبتغي لنا -وفي رواية فقالت امرأته: ألا تنزل فتطعم وتشرب- قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وحالهم فقالت: نحن بخير وسَعة. وحمدت الله تعالى . فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم. قال: فما شرابكم. قالت: ماء زمزم أوهو وغيره من باقي المياه كماء مطر. فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ أي نوع من الحبوب، ولو كان لهم دعا لهم فيه؛ لتعمه البركة بدعائه. قال ابن عباس رضي الله عنه : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه مزاجه، ويشتكي من بطنه. قال إبراهيم: فإذا جاء زوجك من الصيد، فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يثبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل من الصيد كأنه أحس شيئاً -كما جاء في رواية وجد ريح أبيه- فقال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه ذاكرة بعض أوصاف كماله، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أديم عصمتك. ثم لبث إبراهيم عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يصلح سهما قبل أن يُركِّب فيه نصله وهو تحت شجرة بقرب زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من العناق والمصافحة. قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أبني بيتًا ها هنا، وأشار بقوله ها هنا إلى تل، وقيل شرفة مرتفعة على ما حولها من الأرض، وكانت السيول لا تعلوها، فعند ذلك رفع إبراهيم الأساس من البيت، ورفع البناء عليها، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم على المقام ينزل منه لأخذ الحجر من إسماعيل، ثم يعلو به فيضعه محله من البناء، حتى إذا ارتفع البناء جاء بحجر المقام؛ فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت، كان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا) بناء البيت (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) ببناء البيت. وفي قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية، وأنها قبل إبراهيم -عليه السلام- لكن إسماعيل أول من نطق باللغة العربية المبينة، كما في الحديث "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة". رواه الشيرازي في الألقاب وصححه الشيخ الألباني.

الفوائد
  1. استحباب استقبال القبلة حال الدعاء؛ فقد استقبل إبراهيم -عليه السلام- البيت ودعا.
  2. في قوله (ربنا ليقيموا الصلاة) تحريض للمقيم بمكة على عبادة المولى، والإِعراض عن أعراض الدنيا فإنها حينئذ تنقاد له.
  3. الحث على التوكل على الله والتضرع إليه، ومن توكل على الله كفاه، ومن فوض إليه أمره وقاه.
  4. مبادرة الأنبياء لطاعة ربهم، والتضحية من أجل مرضاته بأولادهم وأزواجهم.
  5. أن ماء زمزم طعام طعم؛ حيث كان طعام أم إسماعيل وابنها.
  6. فيه بيان للحكمة من السعي في مناسك الحج.
  7. شدة فراسة العرب؛ حيث استدلوا على وجود الماء بتعاقب الطير على مكانه.
  8. في قوله (تعلم العربية) دليل قوي على قدم اللغة العربية.
  9. فيه استحباب مفارقة من لا صبر لها عند تعاور الشدائد.
  10. فيه بر الوالد وتنفيذ أمره والمسارعة إليه.
  11. وقوع الطلاق بالكناية يعني باللفظ غير الصريح لقول إبراهيم يغير عتبة بابه، وفسرها إسماعيل بالطلاق.
  12. كراهية التضجر من حال العيش، واستحباب شكر المنعم على كل حال.
  13. مسئولية الوالد عن أولاده وتفقده لهم.
  14. من أساليب الدعوة الكناية.
معاني الكلمات
بأم إسماعيل
اسمها هاجَر، وهي قبطية وهبها لسارة ملك مصر الذي أراد سارة فحفظها الله -تعالى- منه.
الدوحة
الشجرة الكبيرة.
البيت
الكعبة.
جرابًا
وعاء من الجلد.
السِقَاءُ
إناء يكون للماء واللبن.
قَفَّى
وَلَّى وذهب.
الثَّنِيَّة
الطريق في الجبل وكانت عند الحجون.
يَتَلَبَّط
يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض.
أكَمَة
تل، وقيل: شرفة كالرابية وهو: ما اجتمع من الحجارة في مكان مرتفع واحد.
الشِّنَّة
هي الجلدة البالية، والمراد هنا السقاء.
يغيِّر عَتَبَة بابه
كناية عن طلاق امرأته، وكنى عن المرأة بعتبة الباب لما فيها من حفظ الباب وصون ما في داخله وكونها محل الوطء.
يَنْشَغُ
يَشْهَق.
زمزم
هي البئر المباركة المشهورة، تقع جنوب شرق الكعبة.
أشرفت
علت.
يدرّ لبنها
يكثر.
كَدَاء
العقبة الصغرى بأعلى مكة.
فبحث بعقبه
حفر بمؤخرة قدمه.
تَحْفِن
تملأ كفها.
درعها
قميصها.
الْجَرِيّ
الرّسول.
جَهْد
مشقة.
المجهود
الذي أصابه الجَهْد أي المشقة.
صه
اسكتي.
تُحَوِّضُهُ
تجعله مثل الحوض.
يَبْرِي نَبْلًا
يُصلِح سهمًا قبل أن يركِّب فيه نصله وريشه.
عَيْنًا مَعِينًا
ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض.
الضَّيْعَةَ
الهلاك.
جُرْهُمٍ
قبيلة قحطانية، هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وسكنت مكة.
طائرًا عائِفاً
الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه.
أنْفَسَهُمْ
من النفاسة والجودة، أي: كثرت رغبتهم فيه.
ألْفَى
وجد.
شَبَّ
كبر ونشأ.
أدرك
بلغ الحلم.
يطالع تركته
يتفقد حال ما تركه.
آنس
أحسّ.
المراجع

صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، 1422ه. كنوز رياض الصالحين، تأليف: حمد بن ناصر بن العمار، الناشر: دار كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى: 1430 هـ. بهجة الناظرين، تأليف: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م. رياض الصالحين، تأليف: محيي الدين يحيى بن شرف النووي ، تحقيق: د. ماهر بن ياسين الفحل، الطبعة: الأولى، 1428 هـ. دليل الفالحين، تأليف: محمد بن علان، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت. تطريز رياض الصالحين للشيخ فيصل المبارك، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله آل حمد، دار العاصمة، الرياض، 1423 هـ. صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي.

هذا الحديث في HadeethEnc.com
٨ من ١٤
١٤ حديثًا
  1. لم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا
  2. كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر
  3. مانهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأْتُوا منه ما استطعتم، فإنما أَهلَكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم
  4. كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون
  5. إن ثلاثة من بني إسرائيل: أَبْرَصَ وأَقْرَعَ وأَعْمَى، فأراد الله أن يَبْتَلِيَهم، فبعَث إليهم مَلَكًا
  6. انطلقَ ثلاثةُ نَفَرٍ ممن كان قبلكم حتى آواهم المبِيتُ إلى غَارٍ فدخلوه، فانحدَرَتْ صخرةٌ من الجبل فسَدَّتْ عليهم الغار
  7. لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة
  8. جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء
  9. قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق!
  10. خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة
  11. لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس
  12. كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مِتُّ فأحرقوني
  13. أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل
  14. رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب

كل حديث ودرجة وشرح وفائدة هنا معروض كما ينشره HadeethEnc.com تمامًا، وفق شروطه لإعادة النشر. والدرجة لا تذكر من حكم بها. والترجمات والشروح من عمل مؤلفيها، وبعضها يذكر أحكامًا؛ ولم يفحصها مراجعو سبيل. والحديث العربي هو النص. المصدر: HadeethEnc.com