انتقل إلى المحتوى
أحاديث مشروحة

مكاتباته ومراسلاته صلى الله عليه وسلم

٥ حديثًا

اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق

عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه قال: قال هِرَقل: فماذا يَأمُرُكُم -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- قال أبو سفيان: قلت: يقول: «اعبدُوا الله وَحدَه لاَ تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَاترُكُوا ما يَقُول آبَاؤُكُم، ويَأمُرُنَا بِالصَّلاَة، والصِّدق، والعَفَاف، والصِّلَة».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

هذا حديث أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه المشهور مع هرقل، كان أبو سفيان وقتئذ مشركًا، حيث لم يسلم إلا متأخرًا، فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة، قَدِم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام، وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت، وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة، وكان ملكًا ذكيًا، فلما سمع بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم، وجعل يسألهم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وعن نسبه، وعن أصحابه، وعن توقيرهم له، وعن وفائه صلى الله عليه وسلم ، وكلما ذكر شيئا أخبروه عرف أنه النبي الذي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه - والعياذ بالله- شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله عز وجل . وكان فيما سأل أبا سفيان سؤاله عمَّا كان يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فلا يعبدوا غير الله، لا ملكًا ولا رسولاً، ولا شجرًا ولا حجرًا، ولا شمساً ولا قمرًا، ولا غير ذلك، فالعبادة لله وحده، وهذه دعوة الرسل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله بعبادة الله وحده لا شريك له. ويقول: "اتركوا ما كان عليه آباؤكم" وهذا من الصدع بالحق، فكل ما كان آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه، وأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة؛ فإنه لم يأمرهم بتركه. وقوله: "وكان يأمرنا بالصلاة" الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وبها يتميز المؤمن من الكافر، فهي العهد الذي بيننا وبين المشركين والكافرين، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه فقد كفر" وقوله: "وكان يأمرنا بالصدق" كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أمته بالصدق، وهذا كقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). والصدق خلق فاضل، ينقسم إلى قسمين: صدق مع الله، وصدق مع عباد الله، وكلاهما من الأخلاق الفاضلة. وقوله "العفاف" أي: العفة، والعفة نوعان: عفة عن شهوة الفرج، وعفة عن شهوة البطن. أما العفة الأولى: فهي أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنى ووسائله وذرائعه. أما النوع الثاني من العفاف: فهو العفاف عن شهوة البطن، أي: عما في أيدي الناس، والتعفف عن سؤالهم، بحيث لا يسأل الإنسانُ أحدًا شيئًا؛ لأن السؤال مذلة، والسائل يده دنيا، سفلى، والمعطي يده عليا، فلا يجوز أن تسأل أحدا إلا ما لابد منه. أما قوله: "الصلة": فهي أن يصل المرء ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى، وأعلاهم الوالدان، فإن صلة الوالدين بر وصلة، والأقارب لهم من الصلة بقدر ما لهم من القرب، فالأخ أوكد صلة من العم، والعم أشد صلة من عم الأب، وصلة الرحم تحصل بكل ما تعارف عليه الناس.

الفوائد
  1. الصدق من أشرف مكارم الأخلاق، وهو محبوب عند الخالق والمخلوق.
  2. ملازمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- للصدق وشهرته به، وشهادة الأعداء له بذلك.
  3. رأس هذا الدين توحيد الله -عز وجل- وعدم الإشراك به، وهو أصل الفضائل.
  4. التحذير من التقليد في الباطل، ويتأكَّد ذلك في أمور الدين.
  5. الرسل جميعا أرسلوا من أجل بيان التوحيد الحق، والتحذير من الشرك وإزالته.
  6. الله -سبحانه- يأمر بكل ما يصلح البشر ويعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة.
  7. الحديث يؤكد على شمول الإسلام ودعوته إلى العبادة والتوحيد ومكارم الأخلاق.
معاني الكلمات
هِرَقل
ملك الروم، ولقبه قيصر، وكتب إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوه للإسلام، وكان ذلك سنة ست من الهجرة.
أبو سفيان
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح وكان من المؤلفة، ثم حسن إسلامه، وشهد حنيناً، ثم شهد الطائف وفُقِئَت عينه يومئذٍ، وفقئت عينه الأخرى يوم اليرموك، استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- على نجران.
ما يَقُول آبَاؤُكُم
جميع ما كانوا عليه في أمور الجاهلية، أما مكارم الأخلاق فقد جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليتمها.
العَفَاف
الكف عن المحارم وخوارم المروءة.
الصِّلَة
صلة الأرحام، وكل ما أمر الله -تعالى- به أن يوصل، وذلك بالبر والإكرام.
المراجع

بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، ط1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1415هـ. تطريز رياض الصالحين، للشيخ فيصل المبارك، ط1، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله آل حمد، دار العاصمة، الرياض، 1423هـ. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، لمحمد علي بن محمد بن علان، ط4، اعتنى بها: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425هـ. رياض الصالحين للنووي، ط1، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1428هـ. رياض الصالحين، ط4، تحقيق: عصام هادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، دار الريان، بيروت، 1428هـ. شرح رياض الصالحين، للشيخ ابن عثيمين، دار الوطن للنشر، الرياض، 1426هـ. صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، 1422هـ. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين، ط14، مؤسسة الرسالة، 1407هـ.

هذا الحديث في HadeethEnc.com

أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رواه مسلمالدرجةصحيح
الشرح

يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى من حوله من ملوك الأمم يدعوهم إلى الإسلام؛ فكتب إلى كسرى وهو لقبٌ لكل مَن مَلَكَ الفرس، وإلى قيصر وهو لقبٌ لكل من ملك الروم، وإلى النجاشي وهو لقب ملوك الحبشة. وكتب أيضًا إلى كل ملك جبار مسلَّطٍ على الناس، وقاهر لهم، وبيَّن أنس رضي الله عنه أن النجاشي الذي كُتِبَ له ليس هو النجاشي الذي أسلم وتوفي وصلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب.

الفوائد
  1. مشروعية دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، بما في ذلك ملوكهم وأمراؤهم.
  2. مشروعية العمل بالكتاب والرسائل.
المراجع

صحيح مسلم (3/ 1397) (1774). المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 612). البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (31/ 67). النهاية في غريب الحديث والأثر (136).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى، مع عبد الله بن حذافة السهمي

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى، مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيمُ البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزَّقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمَزَّقوا كلَّ مُمَزَّق.
رواه البخاريالدرجةصحيح
الشرح

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا إلى كِسْرى، عظيم الفرس، يدعوهم فيه إلى الإسلام، وكان الكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وأمر عليه الصلاة والسلام عبد الله بأن يعطيه إلى عظيم البحرين، وهي بلد بين البصرة وعُمَان، ثم أعطى عظيمُ البحرين الكتاب إلى كسرى؛ لأنه يتبع مملكته، فلما قرأ كسرى الكتابَ مَزَّقه، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك غَضِب، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُمزَّقوا كلَّ مُمَزَّقٍ، فسلَّط الله على كسرى ابنه شيرويه فقتله بأن مزق بطنه سنة سبع، وتمزق ملكه كل ممزق وزال من جميع الأرض بدعوته صلى الله عليه وسلم. و النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكن ناوله إياه وأجاز له أن يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه.

الفوائد
  1. مشروعية دعوة الملوك للإسلام.
  2. وقوع ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم من تمزيق كسرى وملكه.
معاني الكلمات
يدفعه
يعطيه.
عظيم البحرين
واليها وحاكمها.
مزّقه
قطّعه وخرّقه.
يمزقوا
يتفرقوا ويزول ملكهم.
المراجع

صحيح البخاري (6/ 8) (4424)، النهاية في غريب الحديث والأثر (868)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (1/ 163).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل

عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الكَذِبَ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ: لِتَرْجُمَانِهِ، سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ لاَ بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ المُدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ، فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، وَ:{يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} إِلَى قَوْلِهِ: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاَحِ وَالرَّشَدِ آخِرَ الأَبَدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ؟ قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمْ، فَدَعَا بِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان رضي الله عنه أخبره عن ما دار بينه وبين هرقل الملقب بقيصر، عظيم الروم، وحصل ذلك قبل أن يسلم أبو سفيان، ثم حدث به ابنَ عباس بعد إسلامه، وأنه قد أخبره من فمه إلى فمه وعبر بفمه موضع أذنه؛ إشارة إلى تمكنه من الإصغاء إليه بحيث يجيبه إذا احتاج إلى الجواب، ذكر أبو سفيان أنه خرج من مكة في مدة صلح الحديبية التي كانت بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب عشر سنين، سنة ست من الهجرة، فبينما كان أبو سفيان بالشام وصل إلى هرقل كتابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه هو من جاء به من عند النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة ست، فأعطاه دحية إلى عظيم أهل بُصرى: الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّاني، وعطاه عظيم بصرى إلى هرقل، فسأل هرقل: هل يوجد أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقيل: نعم، فجاء رسول هرقل إلى أبي سفيان ومعه أناس من قريش، فطلبهم فتوجهوا معه حتى وصلوا إليه، فاستأذن لهم فأذن لهم، فدخلوا عليه وجلسوا بين يديه، فسألهم هرقل: من منكم الأقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا؛ لأنهما يلتقيان في عبد مناف، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، واختار هرقل ذلك؛ لأن الأقرب أحرى بالاطلاع على قريبه من غيره، فأجلسوا أبا سفيان بين يدي هرقل، وأجلسوا أصحابه القرشيين خلفه، ثم أتى بمترجمه ليترجم لغته إلى العربية والعكس، وأمره أن يقول للقرشيين: إني سأسأل أبا سفيان عن هذا الرجل الذي يدعي النبوة، فإن كذب علي فأخبروني بكذبه، قال أبو سفيان: والله لولا أن يحكوا عني الكذب -وهو قبيح- لكذبت عليه، لعداوته يومئذ للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال هرقل: كيف حسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو ذو حسب، فسأله: هل كان من آبائه وأجداه مَلِكٌ من الملوك؟ فأجابه: لا، فسأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب على الناس قبل أن يدعي النبوة؟ قال أبو سفيان: لا، فسأله: هل يتبعه شرفاء الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: ضعفاؤهم، ثم سأله هرقل: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ قال سفيان: لا ينقصون، بل يزيدون، ثم سأله: هل يرجع أحد منهم عن دينه كراهة لدينه وعدم رضا؟ فأجابه أن لا، فسأله: هل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان: نعم قاتلناه، فسأله: كيف كان قتالكم له؟ فأجابه: أن الحرب تكون نوبة له مرةً ونوبة لنا مرةً أخرى، وقد كانت المقاتلة وقعت بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم في بدر فأصاب المسلمون منهم وفي أحد فأصاب المشركون من المسلمين وفي الخندق فأصيب من الطائفتين ناس قليل، قال هرقل: هل ينقض العهد؟ قال أبو سفيان: لا ينقضه، ونحن الآن منه في مدة صلح الحديبية أو غيبته وانقطاع أخباره عنا، ولا ندري ماذا سيصنع فيها، فلم يجزم بغدره، وقال أبو سفيان: والله لم أستطع أن أُخل كلمة انتقصه بها غير هذه الكلمة، ثم سأله هرقل: هل ادعى أحد من قريش قبله مثل ادعاءه النبوة؟ فأجاب أبو سفيان أن لا، ثم قال لمن يترجم له: قل له: قد سألتك عن رتبته وحسبه فيكم، فقلت: أنه ذو حسب رفيع، وكذلك الرسل تُرسل في أرفع حسب في قومها، وسألتك: هل له من آبائه ملك من الملوك، فأجبت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لقلت إنه يطلب ملك أبيه، وسألتك عن الذين يتبعوه: هل هم الضعفاء أم الشرفاء؟ فقلت: أن ضعفاؤهم اتبعوه، وكذلك أتباع الرسل هم الضعفاء غالبًا بخلاف أهل الاستكبار المصرين على الشقاق بغضًا وحسدًا، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يدعي النبوة؟ فذكرت أن لا، فعلمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس قبل أن يظهر رسالته، ثم يكذب على الله بعد إظهارها، ثم سألتك: هل يخرج أحد من اتباعه عن دينه الإسلام بعد أن يدخل فيه كراهةً له؟ فقلت: لا، وكذلك الإيمان إذا دخل القلوب وخالطها لم يخرج منها، وسألتك: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان لا يزال في زيادة حتى يتم بالفرائض والشرائع المعتبرة فيه من الصلاة وغيرها، وسألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، وتكون الحرب بينكم وبينه تنال منه وينال منكم، وكذلك يُبتلى الرسل ابتداءً، وتكون العاقبة والنصر لهم، وسألتك: هل يغدر وينقض العهد؟ فقلت: لا، وكذلك الرسل لا تغدر؛ لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، وسألتك: هل ادعى أحدٌ قبله النبوة؟ فأجبت أن لا، فقلت: لو ادعى أحدٌ قبله لكان يقتدي به ويفعل مثله، قال هرقل: بماذا يأمركم؟ فأجاب أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة وصلة الأرحام والعفاف أي الكف عن المحارم وخوارم المروءة، فذكر هرقل الأجوبة على ترتيب الأسئلة، وأجاب عن كل بما دل على ثبوت النبوة، مما رآه في كتبهم أو استقرأه من العادة. ثم قال هرقل: إن يكن ما تقوله فيه حق وصدق فإنه نبي، وكنت أعلم أنه سيبعث في هذا الزمان، ولم أكن أعتقد أنه منكم معشر قريش، ولو كنت أعلم أني أستطيع أن أصل إليه لتكلفت الوصول إليه، ولو كنت عنده لغسلتُ قدميه، قاله مبالغة في خدمته، ولسوف يصل ملكه ما تحت قدمي، أي أرض ملكه، ثم دعا هرقل بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأه بنفسه أو قرأه المترجم بأمره، فإذا مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، وهو كقول موسى وهارون لفرعون والسلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهي شهادة التوحيد، أسلم تسلم، أسلم يعطيك الله أجرك مرتين، لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام أو أن إسلامه سبب لإسلام أتباعه، فإن أعرضت ولم تسلم، فإن عليك مع إثمك إثم المزارعين، نبه بهم على جميع الرعايا، و: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله} إلى قوله: {اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]، والخطاب في اشهدوا للمسلمين، أي فإن تولوا عن هذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم، فلما انتهى هرقل من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات ممن كان عنده، ولعله بسبب ما فهموه من ميل هرقل إلى التصديق، وأمر أن يُخرج أبو سفيان ومن معه فخرجوا، قال أبو سفيان لأصحابه بعد خروجهم: لقد عظُم شأن ابن أبي كبشة، وهي كنية أبي النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع، وإنه ليخافه ملك الروم، فما زلت مؤمنًا وموقنًا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام، فأظهرت ذلك اليقين وأسلمتُ. ثم دعا هرقل عظماء الروم وجمعهم في بيت له، ثم اطلع عليهم من مكان فيه عال خوفًا على نفسه أن ينكروا مقالته فيبادروا إلى قتله ثم خاطبهم فقال: يا معشر الروم هل لكم رغبة في الفلاح والرشد إلى آخر الزمان؟ وهل لكم رغبة في أن يثبت ملككم؟ لأنه علم من الكتب أن لا أمة بعد هذه الأمة، فنفروا نفرة حمر الوحش، وذهبوا إلى الأبواب ليخرجوا منها، فوجدوها مغلقة، فقال هرقل: أحضروهم لي، فردهم فقال لهم: إني كنت اختبر شدتكم وثباتكم على دينكم بمقالتي هذه، فقد رأيت منكم الذي أحببت من تمسكم بدينكم، فسجدوا له حقيقة إذ كانت عادتهم ذلك لملوكهم، ورجعوا عما كانوا هموا به عند نفرتهم من الخروج عليه.

الفوائد
  1. البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه.
  2. ملاطفة المكتوب إليه، وتعظيمه بما ليس فيه كذب، فهو عظيم عند قومه.
  3. مشروعية مكاتبة الكفار، وقد كاتب النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من الملوك.
  4. الدلالة لمن قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوش فيها اسم الله تعالى للضرورة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش، من ذكر الله تعالى.
  5. في هذا الخبر دليل على أن النهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو، إنما هو في حمل المصحف، والسور الكثيرة، دون الآية والآيتين، ونحوهما.
  6. وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا لم يكن لبعثه مع دحية فائدة، مع غيره من الأحاديث الدالة عليه.
  7. فيه حجة لمن منع أن يبتدأ الكافر بالسلام، وقد جاء عنه النهي في الأحاديث الصحيحة، وإنما يقول مثلما ورد في هذا الحديث.
  8. استحباب بدء المكاتبة بالبسملة، وذكر أما بعد فيها، وأما الخطبة ونحوها فتبدأ بالحمد والثناء على الله، ويقال فيها أيضًا: أما بعد.
  9. من أدرك من أهل الكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم فآمن به فله أجران.
  10. دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبله حرام، إلم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب.
  11. أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين، ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش؛ لأن عادة الناس أن يطيعوا ويسمعوا لمن كان نسيبًا حسيبًا، ولا يأنفون عنه، فتجتمع به كلمة المسلمين، ولأنهم أحوط من أن يدنسوا أحسابهم.
  12. بعضهم استدل به على جواز مس المحدث، والكافر كتابا فيه آية، أو آيات يسيرة من القرآن، مع غير القرآن.
  13. استحباب البلاغة والإيجاز، وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة، فإن قوله: "أسلم تسلم" في نهاية الاختصار، وغاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس.
  14. جواز المسافرة إلى أرض الكفار للحاجة.
  15. جواز البعث إليهم بالآية من القرآن، ونحوها.
  16. من كان سببًا لضلالة، أو منع هداية كان آثمًا متحملًا لأوزار من تبعوه في ذلك.
  17. الكذب عيب في كل أمة.
  18. وجوب الاحتراز من العدو؛ لأنه لا يؤمن أن يكذب على عدوه.
  19. البيان الواضح أن صدق النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته كان معلوما لأهل الكتاب علمًا قطعيًا، ولم يروا معجزة، وإنما ترك الإيمان من تركه منهم عنادًا أو حسدًا، أو خوفًا على فوات مناصبهم في الدنيا.
  20. من أخبر بحديث وهو معروف بالصدق قبل منه، بخلاف ضده.
معاني الكلمات
عظيم بُصرى
رئيس مدينة من المُدن لبتي تتبع لهرقل.
هرقل
رئيس الروم كلهم.
حسبه
سيرته ومآثر آبائه وأفعالهم الجميلة.
سخطةً له
كرهًا لدينه.
المراجع

صحيح البخاري (6/ 35) (4553)، صحيح مسلم (3/ 1393) (1773)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (7/ 55)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (31/ 56).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

الخالة بمنزلة الأم

عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: لاَ نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَالَ: لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «امْحُ رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ عَلِيٌّ: لاَ وَاللَّهِ لاَ أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ السِّلاَحَ إِلَّا السَّيْفَ فِي القِرَابِ، وَأَلّاَ يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَلّاَ يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، حَمَلَتْهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا»، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلاَ تَتَزَوَّجُ بِنْتَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».
متفق عليهالدرجةصحيح
الشرح

لما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القَعْدة من السنة السادسة امتنع أهل مكة أن يتركوه يدخل إلى مكة، ليكمل النسك؛ لأن الإحرام ركن العمرة الأول، فهذه عمرة بمجرد إحرامه، وقد صالحهم النبي عليه الصلاة والسلام على أن يمكث فيها ثلاثة أيام فقط، فلما كتبوا الكتاب الذي فيه المعاهدة، كتبوا: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: لا نُسلّم ولا ننقاد لك بهذا الكتاب، لو نعرف أنك رسول الله لم نمنعك من دخول مكة، ولكن أنت محمد بن عبد الله، اكتب اسمك واسم أبيك، كما في رواية، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، وقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أزل كلمة: رسول الله، قال علي: لا والله لا أزيلك أبدًا، فأخذ عليه الصلاة والسلام الكتاب وهو لا يستطيع أن يكتب، فمحا الجملة المطلوبة، والذي كتب ما بعده عليٌّ، بدلالة الروايات، والمكتوب هو: هذا ما حكم وفصل عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل إلى مكة السلاح إلا السيف في القراب، وهو ما يطرح فيه الراكب سيفه بغمده، ولا يخرج من مكة بأحد من الرجال إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدًا، إن أراد أن يمكث بمكة. فلما دخلها ومضت الثلاثة أيام جاؤوا إلى علي فقالوا: قل لصاحبك ومن معه: اخرج من مكة فقد انتهت المدة التي تعاهدنا عليها، فخرج عليه الصلاة والسلام، فلحقته ابنة حمزة، تنادي النبي يا عم يا عم، فأمسكها عليٌّ من بيدها، لصغر سنها، وقال لفاطمة رضي الله عنها: خذي ابنة عمك فأخذتها، وبعد أن قدموا المدينة اختصم فيها علي وزيد بن حارثة وجعفر أخو علي في أيهم تكون عنده، وهذا من منافستهم على الخير، وحفظهم لحق حمزة رضي الله عنه، قال علي: أنا أخذتها، وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها زوجتي، وقال زيد: ابنة أخي، فحكم لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تكون مع خالتها زوجة جعفر، وقال: الخالة مكانتها ومنزلتها مثل مكانة الأم في الحضانة؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد، وقال عليه الصلاة والسلام لعلي: أنت مني وأنا منك، في النسب والسابقية والمحبة وغيرها، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي أي مظهري وشكلي الخارجي وأخلاقي، وقال لزيد: أنت أخونا في الإيمان ومولانا من جهة أنه أعتقه، فطيّب صلى الله عليه وسلم قلوبهم بنوع من التشريف على ما يليق بهم بالحال، وإن كان قضى لجعفر فقد بيَّن وجه ذلك، وقال علي للنبي عليه الصلاة والسلام: لما لا تتزوج بنت حمزة؟ قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة، فلا تحل لي.

الفوائد
  1. الخالة مقدمة في الحضانة على العمة.
  2. تقديم أقارب الأم على أقارب الأب في ذلك.
  3. منقبة جليلة لعلي وجعفر وزيد رضي الله عنهم.
معاني الكلمات
يَدَعُوه
يتركوه.
قاضاهم
صالحهم.
كتبوا الكتاب
الذي فيه المعاهدة.
قاضى
حكم وفصل.
لا نقرّ
لا نُسلّم ولا ننقاد.
امح
أزل.
القِراب
الجِراب الذي يَطرح فيه الراكب سيفه بغمده ونحوه.
مضى الأجل
انتهى الوقت الذي حددوه وتعاهدوا عليه وهو ثلاثة أيام.
دونك
خذيها.
المراجع

صحيح البخاري (5/ 141) (4251)، صحيح مسلم (3/ 1409) (1783)، النهاية في غريب الحديث والأثر (758) (742) (740)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (4/ 422).

هذا الحديث في HadeethEnc.com

كل حديث ودرجة وشرح وفائدة هنا معروض كما ينشره HadeethEnc.com تمامًا، وفق شروطه لإعادة النشر. والدرجة لا تذكر من حكم بها. والترجمات والشروح من عمل مؤلفيها، وبعضها يذكر أحكامًا؛ ولم يفحصها مراجعو سبيل. والحديث العربي هو النص. المصدر: HadeethEnc.com