انتقل إلى المحتوى
Tafsīr al-Qurṭubī · البقرة
السورة ٢

البقرة

الجامع لأحكام القرآن

هذا هو النص العربي لتفسير من التفاسير الكلاسيكية كما هو في Quranic Universal Library (واختصارها QUL، من Tarteel)، مأخوذًا من النسخة المفتوحة لبيانات QUL التي يحتفظ بها spa5k/tafsir_api. لا تذكر QUL أي طبعة مطبوعة تتبعها ولا ترخيصًا للنصوص، ولذلك لم يُتحقق من حق عرضها. لم يقارنه أحد بكتاب مطبوع ولا بمخطوطة، ولم يراجعه أحد من العلماء. يقف كل مقطع بجانب الآيات التي يعلّق عليها، وهي نص القرآن من Tanzil كما هو عنده. وحيثما يحمل النص ملاحظة لمحرّر بين قوسين مزدوجين فإنها تُعرض كما هي. لا توجد ترجمة بعد.

النص منQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITأُخذ في 2026-10-21

الآية ٦٧

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٦٧

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ حُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ قَرَأَ "يَأْمُرْكُمْ" بِالسُّكُونِ، وَحَذْفِ الضَّمَّةِ مِنَ الرَّاءِ لِثِقَلِهَا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ: لَا يَجُوزُ هَذَا لِأَنَّ الرَّاءَ حَرْفُ الْإِعْرَابِ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِسُ الْحَرَكَةَ. "أَنْ تَذْبَحُوا" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "يَأْمُرُكُمْ" أَيْ بِأَنْ تَذْبَحُوا. "بَقَرَةً" نَصْبٌ بِ "تَذْبَحُوا". وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع المسألة العاشرة ص ٣٨٥ من هذا الجزء.]] مَعْنَى الذبح فلا معنى لإعادته.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مُقَدَّمٌ فِي التِّلَاوَةِ وَقَوْلُهُ: "قَتَلْتُمْ نَفْساً" مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ شَأْنِ الْبَقَرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يكون قوله: "قَتَلْتُمْ" في النزول مقدما، والام بِالذَّبْحِ مُؤَخَّرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِهَا عَلَى حَسَبِ تِلَاوَتِهَا، فَكَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ حَتَّى ذَبَحُوهَا ثُمَّ وَقَعَ مَا وَقَعَ من أَمْرِ الْقَتْلِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا، وَيَكُونُ "وَإِذْ قَتَلْتُمْ" مُقَدَّمًا فِي الْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَسَبَ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ. وَنَظِيرُهُ فِي التَّنْزِيلِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّوفَانِ وَانْقِضَائِهِ فِي قَوْلِهِ: "حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" إِلَى قوله ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾[[راجع ج ٩ ص ٣٣.]] [هود: ٤٠]. فَذَكَرَ إِهْلَاكَ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ [هود: ٤١]. فَذَكَرَ الرُّكُوبَ مُتَأَخِّرًا فِي الْخِطَابِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ركوبهم كال قَبْلَ الْهَلَاكِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٤٦.]] [هود: ١٩]. وَتَقْدِيرُهُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. الثَّالِثَةُ- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الذَّبْحَ أَوْلَى فِي الْغَنَمِ، وَالنَّحْرَ أَوْلَى فِي الْإِبِلِ، وَالتَّخَيُّرُ فِي الْبَقَرِ. وَقِيلَ: الذَّبْحُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، وَلِقُرْبِ الْمَنْحَرِ مِنَ الْمَذْبَحِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا حَرَّمَ أَكْلَ مَا نُحِرَ مِمَّا يُذْبَحُ، أَوْ ذُبِحَ مِمَّا يُنْحَرُ. وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَقَدْ يَكْرَهُ الْمَرْءُ الشَّيْءَ وَلَا يُحَرِّمُهُ. وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ "الْمَائِدَةِ" أَحْكَامُ الذَّبْحِ وَالذَّابِحِ وَشَرَائِطُهُمَا عِنْدَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٦ ص ٥٤]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا أُمِرُوا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ غَيْرِهَا، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا عَبَدُوهُ مِنَ الْعِجْلِ لِيُهَوِّنَ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ يَرَوْنَهُ مِنْ تَعْظِيمِهِ، وَلِيَعْلَمَ بِإِجَابَتِهِمْ مَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ عِبَادَتِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى عِلَّةٌ فِي ذَبْحِ الْبَقَرَةِ، وَلَيْسَ بَعِلَّةٍ فِي جَوَابِ السَّائِلِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَحْيَا الْقَتِيلُ بِقَتْلِ حَيٍّ، فَيَكُونُ أَظْهَرُ لِقُدْرَتِهِ فِي اخْتِرَاعِ الْأَشْيَاءِ مِنْ أضدادها. الرابعة- قوله تعالى: (بَقَرَةً) "بَقَرَةً" الْبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثَى، وَالثَّوْرُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ مِثْلُ نَاقَةٍ وَجَمَلٍ وَامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ. وَقِيلَ: الْبَقَرَةُ وَاحِدُ الْبَقَرِ، الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ سَوَاءٌ. وَأَصْلُهُ مِنْ قولك: بَقَرَ بَطْنَهُ، أَيْ شَقَّهُ، فَالْبَقَرَةُ تَشُقُّ الْأَرْضَ بِالْحَرْثِ وَتُثِيرُهُ. وَمِنْهُ الْبَاقِرُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ وَعَرَفَ أَصْلَهُ، أَيْ شَقَّهُ. وَالْبَقِيرَةُ: ثَوْبٌ يُشَقُّ فَتُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ فِي عُنُقِهَا مِنْ غَيْرِ كُمَّيْنِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ الْهُدْهُدِ (فَبَقَرَ الْأَرْضَ). قَالَ شَمِرٌ: بَقَرَ نَظَرَ مَوْضِعَ الْمَاءِ، فَرَأَى الْمَاءَ تَحْتَ الْأَرْضِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْبَقَرُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ وَجَمْعُهُ [[في لسان العرب: فأما بقر وباقر وبقير وبيقور وباقور وباقورة فأسماء للجميع.]] بَاقِرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُقَالُ بَقِيرٌ وَبَاقِرٌ وَبَيْقُورٌ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَابْنُ يَعْمُرَ "إِنَّ الْبَاقِرَ". وَالثَّوْرُ: وَاحِدُ الثِّيرَانِ. وَالثَّوْرُ: السيد من الرجال. والثور القطعة من القط. وَالثَّوْرُ: الطُّحْلُبُ. وَثَوْرٌ: جَبَلٌ. وَثَوْرٌ: قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَغِبْ ثَوْرُ الشَّفَقِ) يَعْنِي انْتِشَارَهُ، يُقَالُ: ثَارَ يَثُورُ ثَوْرًا وَثَوَرَانًا إِذَا انْتَشَرَ فِي الْأُفُقِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ). قَالَ شَمِرٌ: تَثْوِيرُ الْقُرْآنِ قِرَاءَتُهُ وَمُفَاتَشَةُ الْعُلَمَاءِ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ هَذَا جَوَابٌ مِنْهُمْ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا قَتِيلًا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قِيلَ: اسْمُهُ عَامِيلُ- وَاشْتَبَهَ أَمْرُ قَاتِلِهِ عَلَيْهِمْ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ، فَقَالُوا: نَقْتَتِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَتَوْهُ وَسَأَلُوهُ الْبَيَانَ- وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقَسَامَةِ [[سيتكلم المؤلف رحمه الله على القسامة وحكمها عند قوله تعالى: (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها) راجع ص ٤٥٧ من هذا الجزء.]] فِي التَّوْرَاةِ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ- فَسَأَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَأَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ مُوسَى وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ جَوَابٌ عَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ وَاحْتَكَمُوا فِيهِ عِنْدَهُ، قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا؟ وَالْهُزْءُ: اللَّعِبُ وَالسُّخْرِيَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ص ٢٠٧.]]. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ "أَيَتَّخِذُنَا" بِالْيَاءِ، أَيْ قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَجَابَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ جَوَابِ السَّائِلِ الْمُسْتَرْشِدِ إِلَى الْهُزْءِ جَهْلٌ، فَاسْتَعَاذَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْجَهْلُ نَقِيضُ الْعِلْمِ. فَاسْتَعَاذَ مِنَ الْجَهْلِ، كَمَا جَهِلُوا فِي قَوْلِهِمْ: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، لِمَنْ يُخْبِرُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادِ مَنْ قَالَهُ. وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ مَنْ قَالَ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزَتُهُ،- وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِكَذَا-: أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا؟ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ عَنْ بَعْضِ أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ غِلَظِ الطَّبْعِ وَالْجَفَاءِ وَالْمَعْصِيَةِ، عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ الْقَائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ. وَكَمَا قَالَ لَهُ الْآخَرُ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ. وَفِي هَذَا كُلِّهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى قُبْحِ الْجَهْلِ، وَأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُزُواً﴾ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ تَجْعَلُهَا بَيْنَ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ. وَجَعَلَهَا حَفْصٌ وَاوًا مَفْتُوحَةً، لِأَنَّهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ فَهِيَ تَجْرِي عَلَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِهِ: "السُّفَهاءُ وَلكِنْ". وَيَجُوزُ حَذْفُ الضَّمَّةِ مِنَ الزَّايِ كَمَا تَحْذِفُهَا مِنْ عَضُدٍ، فَتَقُولُ: هُزْؤًا، كَمَا قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَكَذَلِكَ "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ". وَحَكَى الْأَخْفَشُ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ أَوَّلُهُ مَضْمُومٌ فَفِيهِ لُغَتَانِ: التَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ، نَحْوُ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْهُزْءِ. وَمِثْلُهُ مَا كَانَ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى فُعُلٍ كَكُتُبٍ وَكُتْبٍ، وَرُسُلٍ وَرُسْلٍ، وَعُوُنٍ وَعُوْنٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ [الزخرف: ١٥] فَلَيْسَ مِثْلَ هُزْءٍ وَكُفْءٍ، لِأَنَّهُ عَلَى فُعْلٍ مِنَ الْأَصْلِ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ [[راجع ج ١٦ ص ٦٩]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِهْزَاءِ بِدِينِ اللَّهِ وَدِينِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ وَصَاحِبُهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ. وَلَيْسَ الْمُزَاحُ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِسَبِيلٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْزَحُ وَالْأَئِمَّةَ بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا تَقَدَّمَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ فَمَازَحَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: جُبَّتُكَ هَذِهِ مِنْ صُوفِ نَعْجَةٍ أَوْ صُوفِ كَبْشٍ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا تَجْهَلْ أَيُّهَا الْقَاضِي! فَقَالَ له عبيد الله: وأين وجدت المزاج جَهْلًا! فَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، لِأَنَّهُ رَآهُ جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ الْمَزْحَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ بسبيل.