الفصل السابع حكم من وصف نفسه بصفة من صفات الأنبياء رفعا لشأنه أو استصغارا لشأنهم صلوات الله عليهم
النص منOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 23645أُخذ في 2026-10-21
الوجه الخامس:
أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا ولا سبا لكنه ينزع «1» بذكر بعض أوصافه، أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره، أو على التشبه به، أو عند هضيمة «2» نالته، أو غضاضة لحقته، ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره، أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم أو قصد الهزل والتندير «3» بقوله:٢:٥٢١
كقول القائل: إن قيل في السوء فقد قيل في النبي، أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء، أو إن أذنبت فقد أذنبوا. أو أنا أسلم من ألسنة الناس، ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله، أو قد صبرت كما صبر أولو العزم، أو كصبر أيوب، أو قد صبر نبي الله على عداه وحلم على أكثر مما صبرت وكقول المتنبي «1»
أنا في أمة تداركها الل ... ه غريب كصالح في ثمود
ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المعري «2» :
كنت موسى وافته بنت شعيب ... غير أن ليس فيكما من فقير «3»
على أن آخر البيت شديد وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتفضيل حال غيره عليه.
وكذلك قوله:٢:٥٢٢
لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمد عن أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالة جبريل
فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد لتشبيهه غير النبي صلى الله عليه وسلم في فضله بالنبي، والعجز محتمل لوجهين:
أحدهما: أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح
والآخر استغناؤه عنها، وهو أشد.
ونحو منه قول الآخر «1» :
وإذا ما رفعت راياته ... صفقت بين جناحي جبرين
وقول الآخر من أهل العصر «2»
فر من الخلد واستجار بنا ... فصبر الله قلب رضوان
وكقول حسان «3» المصيصي من شعراء الأندلس في محمد٢:٥٢٣
بن «1» عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر «2» بن زيدون:
كأن أبا بكر أبو بكر الرضى ... وحسان حسان وأنت محمد
إلى أمثال هذا.
وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها، ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك «3» ، واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم. «وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم» «4» لا سيما الشعراء.. وأشدهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا ابن هانىء «5» الأندلسي، وابن «6» سليمان المعري.. بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر.
وقد أجبنا عنه.. وغرضنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي٢:٥٢٤
سقنا أمثلته.. فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا..- ولست أعني عجزي بيتي المعري «1» - ولا قصد قائلها إزراء وغضا، فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة، ولا عزر حرمة الاصطفاء، ولا عزز حظوة الكرامة، حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها، أو ضرب مثل لتطييب مجلسه، أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره، وألزم توقيره وبره، ونهى عن جهر القول له، ورفع الصوت عنده، فحق هذا إن درىء عنه القتل الأدب، والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله، ومقتضى قبح ما نطق به، ومألوف عادته لمثله، أو ندوره، وقرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه.
- ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به وقد أنكر الرشيد «2» على أبي نواس «3» قوله:
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب٢:٥٢٥
وقال له: يا ابن اللخناء «1» .. أنت المستهزىء بعصا موسى!! ..
وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته وذكر القتيبي «2» :
أن مما أخذ عليه أيضا وكفر فيه أو قارب.. قوله في محمد «3» الأمين، وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد «4» الشراكان «5»
كما أنكروا عليه أيضا قوله:
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
لأن حق رسول الله وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف.
- فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك «6» بن أنس رحمه الله وأصحابه.
ففي النوادر من رواية ابن «7» أبي مريم في رجل عير رجلا بالفقر فقال: «تعيروني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم» !٢:٥٢٦
فقال مالك «1» : «قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه.
أرى أن يؤدب» وقال: (ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا: أخطأت الأنبياء قبلنا) .
وقال عمر بن «2» عبد العزيز لرجل: «انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا» . فقال كاتب له: «كان أبو النبي كافرا» . فقال: «جعلت هذا مثلا! فعزله» وقال: «لا تكتب لي أبدا»
وقد كره سحنون «3» أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله.
وسئل القابسي «4» عن رجل قال لرجل قبيح: كأنه وجه نكير «5» ولرجل عبوس: كأنه وجه مالك «6» الغضبان فقال: أي شيء أراد بهذا؟ ..- ونكير أحد فتاني القبر، وهما ملكان- فما الذي أراد؟ .. أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاف٢:٥٢٧
هذا هو النص العربي لكتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض كما هو في مدوّنة OpenITI، من نسخة «الشاملة» لطبعة دار الفيحاء (عمّان، 1407هـ) التي حُذفت منها أسانيد الأخبار. لم يقارنه أحد بالكتاب المطبوع ولا بمخطوطة، ولم يراجعه أحد من العلماء. أرقام حواشي الطبعة باقية في النص دون حواشيها التي أزالتها المدوّنة، وتُركت ملاحظات محققي الطبعة وفهرسها. وتُعلَّم نهاية كل صفحة من الطبعة المطبوعة. لا توجد ترجمة بعد.